[Back to Page][Download]

DARE.fulltext: FT21

Averroes, Talḫīṣ kitāb al-kaun wa-l-fasād (تلخيص كتاب الكون والفساد).

[Page 1]

المقالة الأولى

إنّ الذي تضمّنته هذه المقالة هو منحصر فى ثمانى جمل :
الجملة الأولى : فى غرض الكتاب وذكر الأشياء التى يتضّمن الفحص عنها .
الجملة الثانية : فى تعريف مذاهب القدماء فى الكون والاستحالة ومن يمكنه
من القدماء بحسب رأيه فى مبادئ الكون والفساد أن يفرق بين الكون
والاستحالة ومن لا يمكنه ذلك وتعريف مَنْ سلك فى ذلك ما يلزم عن أصله ومَنْ
لم يسلك فى ذلك اللازم من أصوله .
الجملة الثالثة : فى الفحص عن وجود الكون والفساد فى الجوهر وهو الكون
والفساد بإطلاق ، وإن كان موجودا فعلى أيّ جهة وجوده ، هل على جهة الاجتماع
والافتراق أو على جهة أخرى .
الجملة الرابعة : فى الفرق بين الكون والفساد وبين الاستحالة .
الجملة الخاسمة : فى تعريف حركة النمو وكيف ينمو النامى وبماذا ينمو .
الجملة السادسة : فى تعريف المماسّة والأشياء المتماسّة .
الجملة السابعة : فى التعريف الانفعال والفعل وطبيعة الأشياء الفاعلة والمنفعلة .
الجملة الثامنة : فى معرفة الاختلاط والأشياء المختلطة .

[Page 2]

الجملة الأولى

[1] قال : إنّ الغرض الذى قصد إليه هاهنا والأمر الواجب هو تلخيص الأسباب
العامّة لجميع ما يكون ويفسد بالطبع وتلخيص أسباب النمو والاستحالة أيضا
وتعريف ما كلّ واحد منهما وهل ينبغى أن يُعْتَقَدَ أن الاستحالة والتكوّن شئ
واحد أو هما طبيعتان كما أنّ اسميهما مفترقان .
الجملة الثانية

قال : إنّ اعتقاد القدماء فى الكون المطلق والفساد والاستحالة يوجد على
مذهبين : أحدهما مذهب مَنْ يَعْتَقِدُ أنّ الكون المطلق استحالة والثانى مذهب من
يعتقد أنّ الكون المطلق غير الاستحالة . فأمّا من قال منهم بأنّ الكلّ شئ واحد
وأنّ الأشياء كلّها إنّما تتكوّن عن شئ واحد ، فقد يضطرّه الأمر إلى أن يقول إنّ
الكون المطلق والاستحالة هما شئ واحد . والسبب فى ذلك أنّ الموضوع لجميع
التغايير عند هؤلاء هو شئ واحد بالفعل ومشار إليه غير متغيّر .

[Page 3] وأمّا مَنْ جعل العناصر والأسطقسّات أكثر من واحد مثل ابن دقليس
وأنكساغورش ولوقيس وديمقراطيس فإنّه يلزمهم أن يقولوا إنّ الكون هو غير
الاستحالة لأنّه يجب أن يكون الكون باجتماع الأسطقسّات والفساد بافتراقها
والاستحالة شئ غير الاجتماع والافتراق . فأمّا ابن دقليس فإنه كان يقول إنّ
الأسطقسّات ستّة ، اثنان محرّكان وهما العداوة والمحبّة وأربعة متحرّكة وهى
الأرض والماء والهواء والنار . وأمّا أنكساغورش ولوقيس وديمقراطيس فإنّهم
كانوا يقولون إنّ الأسطقسّات غير متناهية . وأمّا أنكساغورش فكان يضع
التى بهذه الصفة هي الأجسام المتشابهة الأجزاء وهى التى يُسَمَّى الكلّ منها
والجزء باسم واحد بعينه مثل اللحم والمخّ والخشب . وأمّا ديمقراطس ولو قيس
فإنّهما يريان أنّ التى بهذه الصفة هي أجسام غير متجزّئة وأنّها غير متناهية
فى عددها وأشكالها وأنّ الأجسام المركّبة من هذه إنّما تختلف لمكان اختلاف
الأجزاء التى تتركّب منها من قبل ثلاثة أشياء : الشكل والوضع والترتيب .

[Page 4] وآل أنكساغورش يخالفون آل ابن دقليس ، وذلك أنّ ابن دلقيس يرى أنّ
الأجسام المتشابهة الأجزاء هى مركّبة من الأسطقسّات الأربعة التى هي الهواء
والنار والماء والارض . وأما آل أنكساغورش فيرون أنّ هذه الأجسام الأربعة
مركّبة من المتشابهة الأجزاء .
وكلّ هؤلاء كما قلنا قد كان يجب عليهم بحسب هذا الرأي فى الأسطقسّات
أن يقول إنّ الكون المطلق غير الاستحالة ، إلاّ أنّ بعضهم لزم فى ذلك أصله
وبعضهم لم يلزم فى ذلك أصله ، مثل أنكساغورش وابن دقليس . فأمّا
أنكساغورش فلم يلزم أصله لأنّه يُسَمِّى التكوّن والفساد المطلق استحالة . وأمّا
ابن دقليس فلمّا كان يضع أن الكون إنّما هو باجتماع الأسطقسّات الأربعة من
المحبّة والفساد بافتراقها عن البغضة ، وكان يضع أنّ هذه الأسطقسّات غير
متغيّرة بعضها إلى بعض وأنّ فصولها التى هي الحرارة والبرودة والرطوبة
واليبوسة وغير ذلك من الكيفيات التى تعرض فيها الاستحالة باقية بأعينها،
فهو بيّن أنّه لا يوجد على مذهبه استحالة ، إذ كانت الاستحالة إنّما هي فى
هذه الفصول .

[Page 5] وأيضا فلمّا كان يرى أنّه لا يمكن أن يكون من الماء نار ولا من الأرض ماء
وبالجملة أنه لا يكون واحد من هذه الأجسام الأربعة عن صاحبه على طريق
الكون والفاسد المطلق ، فقد يجب ضرورة ألّا يكون من الأبيض أسود ولا من
الصلب ليّن وهذه هى الاستحالة . وإنّما كان ذلك واجبا لأنّه إذا لم تتغيّر
الأسطقسّات بعضها إلى بعض لم يكن هنالك موضوع واحد يقبل الضدّين ،
سواء كانت تلك المضادّة فى الاستحالة أو كانت فى الجوهر ، فإنّه واجب أن
كون لكلّ تغيّر موضوع سواء كان التغيّر فى الجوهر أو فى الكمّ أعنى النمو
والنقص أو فى الكيف أعنى الاستحالة . ولذلك متى أنزلنا موضوعا فهنالك
ضرورة تغيّر ومتى أنزلنا تغيّرا فهنالك ضرورة موضوع . وليس لقائل أن يقول
إن الموضوع فى الاستحالة هو غير الموضوع فى الجوهر . فكيف يلزم إذا رفعنا
الموضوع فى الجوهر أن نرفع الموضوع فى الاستحالة ؟ فإنّ موضوع الاستحالة
إنّما صار موضوعا لها من جهة الموضوع فى الجوهر . ولذلك ألْزَمَ أرسطو فى
الاستحالة ما ألزم فى الجوهر .

[Page 6] [2] فمن هذا يظهر أنّ ابن دقليس لا يقدر أن يقول بالفرق بين الكون المطلق
والاستحالة . وقد يظهر كما يقول أرسطو أنّ قول هذا الرجل مناقض لما يوجد
عيانا ومناقض بعضه لبعض . أمّا مناقضته للحسّ فمن قِبَل أنّه ليس يتكوّن
عنده واحد من الأسطقسّات الأربعة عن آخر منها ، بل كل شئ يكون من هذه
ولا تتكوّن هذه بعضها من بعض . وأما التناقض الذى يوجد فى أقواله فأنّه لمّا
كان يقول إنّه ليس لشئ من الأشياء طبيعة وإنّما هو اختلاط فقط أو افتراق
فقط وإنّ الكون لأجزاء العالم إنّما يكون من ذلك الشئ الواحد المختلط عندما
تتميّز منه الأشياء وتفترق بفصول تخصّها وآثار ما ، حتى يكون الواحد منها
نارا بأنّه حارّ يابس والآخر أرضا بأنّه بارد يابس والآخر شمسا ، كما يقول هو ،
بأنّه شئ حارّ أبيض ، وذلك إذا غلبت العداوة المحبّة . والفساد للعالم يكون
أيضا بأن تجتمع أيضا أجزاؤه من بعد هذا الافتراق فيصير واحدا إذا غلبت
المحبّة . .

[Page 7] فبيّن أنّه يلزم عن ذلك أن تكون الأسطقسّات بعضها عن بعض لأنّ التكوّن
والفساد لها ليس شيئا أكثر من خلعها الفصول الموجودة لها بعد الوجود
ووجودها بعد العدم . وذلك شئ لزم أن يعرض إذا تكوّنت بالافتراق من ذلك
الواحد ويفسد بالاجتماع لذلك الواحد . فإنّ الافتراق ليس هو شيئا غير
حدوث فصولها والاجتماع ليس شيئا أكثر من خلع تلك الفصول . فلذلك صار
قوله إنّ هذه الأسطقسّات لا تتكوّن بعضها من بعض وقوله إنّها تعود شيئا
واحدا وتتكوّن من شئ واحد متناقض . وذلك أنّه لا يمكن أن يقال فى هذه
أنّها تصير شيئا واحدا وتلك الفصول موجودة لها بالفعل .
[3] فمن هذا يظهر أنّ أقاويل هذا الرجل من هذا الوجه متناقضة وأيضا ما هو
خفي من قوله هل يَعْتَقِد أن هذه الأسطقسّات هي أوائل لذلك الشئ الواحد أم
ذلك الشئ الواحد هو أوّل لهذه الأسطقسّات . فإنّه إنّ كان وجودها فى ذلك
الواحد الذى يُجْتَمَع إليه ممّا بالقوة على أنّها تتكوّن منه وهو لها كهيولى
وموضوع ، فالواحد أوْلى أن يكون مبدأ لها من أن تكون هي مبدأ له . وإنْ
كان وجودها فيه بالفعل وهو واحد بالتركيب فهي أحرى بأن تكون مبدأ له
وأحْرَى أن تكون متقدّمة بالطبع . فقد تبيّن من هذا القول مذاهب القدماء فى
الكون والاستحالة ومن لزم أصوله فى الفرق بينهما ومن لم يلزمها .

[Page 8]

الجملة الثالثة

وهذه الجملة فيها ثلاثة فصول :
الفصل الأول : يخبر فيه عن الأشياء التى ينبغى أن تعلم من أمر الكون المطلق
والفساد المطلق ومن الحركات الأخر مثل النمو والاستحالة وسائر الأشياء
المشتركة لهذه التغايير ، مثل الفعل والانفعال والمماسّة والاختلاط ، ويعرّف
مقدار ما قاله القدماء في ذلك ومَنْ قَصُرَ فيما أعطى من فصول هذه الأشياء ،
ومَنْ أعطى من ذلك شيئا فعلى أيّ جهة أعطاه .
الفصل الثانى : يحلّ فيه الشكوك التى يُظنّ بها أنّ الكون والفساد اجتماع
وافتراق ، وأنّ بهذا الوجه يخالف الاستحالة ، وهى الحجج التى جرت العادة أن
يستعملها القائلون بالجزء الذى لا يتجزّأ ، ويعرّف أنّ اعتقاد وجود أشياء غير
منقسمة وعدم اعتقاده ليس بيسير فيما يلزم من ذلك فى هذه الأمور ويقايس
بين رأي مَنْ يعتقد أنّ الغير منقسمة هي السطوح وبين من يقول إنّها أجسام .
الفصل الثالث : يفحص فيه عن الأشياء التى يجب أن يُفْحَص عنها فى الكون
المطلق أعنى هل هو موجود ، وإنْ كان موجودا فعلى أي جهة وجوده .

[Page 9]

الفصل الأوّل

[4] قال : وقد يجب أن نتكلم فى أمر التكوّن المطلق والفساد المطلق . أمّا أوّلًا
فهل هما موجودان أم ليسا بموجودين ، وإنْ كانا موجودين فعلى أيّ جهة
وجودهما . وكذلك ينبغى أن نفحص عن هذين المعنيين فى الحركات الأخر
البسيطة مثل النمو والإستحالة . وذلك أنّ ما قاله القدماء فى ذلك يوجد على
أحد وجهين : إمّا أنهم تكلموا من هذه الأشياء فى البعض ، وإمّا أنّهم تكلّموا
بكلام غير صواب ، وإمّا أنّهم جمعوا الأمرين .
[5] مثال ذلك أفلاطون فإنّه لم يبحث عن كيفية كلّ تكوّن وإنما تكلّم فى كيفية
تكوّن الأسطقسات بعضها من بعض ، أعنى البسائط ، لا فى تكوّن المركّبات
عنها ، مثل تكوّن اللحم والعظم ، ولم يتكلم أيضا لا فى الاستحالة ولا فى
النمو بأي وجه يكونان فى الأمور . وبالجملة فإنه لا يوجد أحد من القدماء له
فى جميع هذه الأشياء قول ، أعنى فى الكون والفساد والاستحالة والأشياء
المشتركة لها التى هي الفعل والانفعال والاختلاط والمماسة إلا ما يمكن أن
يعرفه الجمهور منها وما يمكن أن يعرف من ذلك فى بادئ الأمر مثل قولهم إن
النمو إنما يكون بأن يتصل الشبيه بشبيهه ، ما خلا ديمقراطيس ولوقيس . فإنهم
راموا أن يعطوا لهذه الأشياء فصولا تتميز بها بعضها عن بعض . وذلك أن
هذين قالا إن مبدأ الأشياء هي الأجسام الغير منقسمة الغير متناهية من قبل
العدد والشكل .

[Page 10] وإنّ الكون والفساد يعرض باجتماع هذه وافتراقها ، وأما الاستحالة فباختلافها
بالترتيب والوضع . قالوا : وذلك أنه يعرض للكيفيات أن تختلف مِن قِبًل
هذين أو أحدهما . ومثال ذلك الهجاء والمديح فإنّهما كيفيتان مختلفتان وهي
تتركّب من حروف واحدة وإنما تختلف بترتيبها . قالوا : وهذا هو السبب فى أن
كان كلّ تَخَيُّلٍ حقّا وفى أن كان يعرض أن يُرى فى الشئ الواحد بعينه أحوال
متضادّة وغير متناهية وهي كلّها حقّ . وذلك أنّ الوضع والترتيب لمّا كان لا
يتناهى فى الشئ الواحد بعينه من قِبَل اختلافه فى نفسه ومِنْ قِبَلِ اختلاف
نظر الناظرين إليه أمكن عندهم أَن يَرَى الإنسانُ الشئ الواحد بعينه أبْيَضَ
ويراه الآخر أسود أو متحرّكا ويراه الآخر ساكنا . كلّ ذلك حقّ لأنّ طبيعة
الكيفيات ليست شيئا أكثر من تبديل الوضع والترتيب . ولمّا كانا هذان
الشيئان يختلفان باختلاف الناظرين إليه لاختلاف الجهات ، فقد يعرض أن
يَرَى الشئ الواحد بعينه واحد ساكنا ويراه الآخر متحركا ، وكلا الرؤيتين حقّ
وليس للون عندهم ولا لسائر الكيفيات طبيعة غير هذه . وبالجملة فإنّهم إنّما
احتجّوا لهذا الرأي فى الإستحالة لِما كانوا يعتقدون أن كلّ تخيّل حقّ .

[Page 11]

الفصل الثانى

[6] قال : ولمّا كان أكثر الناس يعتقدون أنّ التكوّن شئ والاستحالة شئ غيره
وأنّ الأجسام تكون وتفسد على جهة الاجتماع والافتراق وتستحيل من قِبَل أنّها
تتغيّر فى الأعراض اللاحقة لها ، فقد يجب أن نفحص عن الشكوك والأقاويل
التى تتضادّ فى ذلك . فإنّه إنْ وضع واضع أنّ التكوّن يكون بالاجتماع
والافتراق ، لزم عن ذلك وجود الأجزاء التى لا تتجزّأ . وقد عُدِّدَت المحالات
التى تلزم عن وجود أجزاء لا تتجزّأ فى السادسة من السماع والثالثة من
السماء والعالم . وإنْ قلنا إنّ الكون والفساد ليس هو اجتماعا وافتراقا ، عسر
علينا أنْ نأتي بالفرق بين الكون والاستحالة .
[7] ومبدأ الفحص عن ذلك هو هل الموجودات الطبيعية تتكوّن وتستحيل وتنمو
ويلحقها أضداد هذه من جهة أنّ مبادئها أعظام غير منقسمة أم ليس يتغيّر شئ
من قبل وجود عظم غير منقسم . وذلك أنّ الفرق بين الاعتقادات اللازمة فى هذه
الأشياء عن هذين ليس بيسير . وأيضا إنْ كانت المبادئ أعظاما غير منقسمة
فهل هي أجسام على مذهب ديمقراطيس ولوقيس ، أو سطوح على ما يقل فى
طيماوس . فإن كلا الرأيين وإنْ كان يلزمهما محلات كثيرة على ما سلف ، فإنّ
أقنع القولين هو رأي ديمقراطيس ولوقيس .

[Page 12] وذلك أنّ هؤلاء قد يمكنهم أن يوفوا سببا للاستحالة من قِبَل الأعظام التى لا
تنقسم وذلك من جهة الوضع والترتيب كما قلنا . وأما من يعتقد أنّ هذه
الأسطقسّات هي سطوح فليس يمكنهم أن يقولوا فى أمر الاستحالة شيئا .
وذلك أن الذى يمكنهم أن يقولوا إنّه تولد عن السطوح إنّما هو الجسم فقط لا غير
ذلك من الأعراض الموجودة فى الجسم التى فيها الاستحالة . والسبب فى أنّ
ديمقراطيس ومن قال بقوله أمكنه أن يأتي بفصول فى هذه الأشياء بحسب
مذهبه فى المبادئ ولم يمكن ذلك أفلاطون أنّ أولائك جعلوا نظرهم فى
الطبيعيات من أمور طبيعية ومناسبة وأفلاطون جعل نظره من أمور غير مناسبة
بل مِنْ أمور عرضية .
[8] وذلك بيّن ممّا احتجّ به كلّ واحد لمذهبه . وذلك أن أفلاطون كان يحتجّ لأّنّه
يجب أن تكون هاهنا سطوح غير منقسمة بوجود المثلّث . وذلك أن السطوح
كلّها تنقسم إليه وليس ينقسم هو إلى سطح آخر وإنّما ينقسم إلى مثلّثات ،
وإذا كان ذلك كذلك فهو أوّلُ السطوح . وهو بيّن أنّ هذه مقدّمات تعاليمية
فإنّه ليس يجب أن يكون أوّلُ السطوح هو أوّلُ الأجسام .

[Page 13] وأمّا ما احتجّ به القائلون بالأجزاء التى لا تتجزّأ ففيه موضع شكّ وهي مأخوذة
من مقدّمات طبيعية . وذلك أنّهم قالوا إنْ كان الجسم يمكن أن ينقسم بكلّيته ،
أىْ كل نقطة فيه من النقط التى هي غير متناهية ، يمكن أن ينقسم عليها على
حدّ سواء ولم تختصّ بذلك نقطة دون نقطة . فإذا أنزلنا أنّه قد انقسم معا
بالفعل على هذه النقط كلّها التى لا نهاية لها فليس يعرض عن ذلك محال ،
فإنّ هذا الإنزال وإنْ كان كاذبا فهو كاذب ممكن والممكن لا يعرض عن وضعه
موجودا بالفعل محال ، كما يعرض عن الكاذب الممتنع . مثال ذلك أنّه لو
أنزلنا أنّ حبّ الخردل يمكن أن ينقسم إلى ألف ألف ألف جزء ممّا لا يمكن أحد أو
لا يقدر على أن يقسمها لم يكن عدم القدرة على ذلك ممّا يبطل طبيعة هذا
الإمكان ولا ممّا يوجب أن يكون إنزالها منقسمة إلى هذه الآلاف كذبا ممتنعا .
وإذا فرضنا الجسم منقسما بكليته معا ، أىْ منقسما على أشياء غير متناهية
معا ، فلا يخلو أن ينقسم إلى أعظام غير منقسمة أو إلى أعظام منقسمة أو
نقط أو إلى أعراض من أعراضه أو ينقسم إلى لا شئ .

[Page 14] وكونه منقسما إلى أعظام منقسمة مناقض لقولنا إنّه منقسم بكلّيته وإنّه
منقسم على كلّ نقطة ، لأنّه يبقى فيه شئ منقسم وهو تلك الأعظام ، ولو
أنزلنا تلك الأعظام من الصغر بمنزلة النشارة التى ينقسم إليها الجسم المنشور .
وأيضا إنّه يلزم أن يوجد فى الشئ المتناهى أعظام منقسمة غير متناهية
بالفعل وذلك كلّه محال . وإنْ انزلنا أنّه ينقسم إلى نقط ويتركّب عنها لم
يحدث من ذلك عظم . وذلك أنّ النقط من شأنها أن تنطبق بعضها على بعض
حتّى تكون نقطة واحدة . وأيضا فممّا يدلّ أنّ النقط لا تزيد فى العظم ولا
تنقص منه أنّا متى قسمنا العظم بنقطتين أو ثلاث ثُمّ ركّبناه فليس يصير
العظم أصغر ممّا كان ولا أعظم . وإذا لم يكن لها تأثير فى الصغر ولا فى
العظم فيجب عن ذلك ألاّ تحدث عظما . وأيضا فإنّ النقط يجب أن تتحرّك قَبْل
أن يتركّب منها العظم حتّى تتلاقى وتتماسّ . والمتلاقى والمتماسّ منقسم على
ما تبيّن فى السادسة من السماع .

[Page 15] وإنْ كان إنّما ينقسم إلى غير شئ فالعظم يتركّب من غير عظم . وكذلك وإنْ
انقسم إلى أعراض موجودة مثل وإنْ ينقسم إلى الانفصلات التى تحدثها النقط
كان العظم أيضا مؤلّفا من غير عظم . وإذا بطلت هذه الوجوه فواجب إنْ كان
العظم منقسما بكلّيته معا أن يكون منقسما إلى أجزاء لا تتجزّأ . فهذه هي
الأشياء التى يحتجّ بها مَن يضع عظما غير منقسم . والمحالات التى تلزم
وجود أعظام غير منقسمة قد فُرِغَ أيضا من ذكرها . فينبغى أن يقال هاهنا فى
حلّ هذا الشك ومن أين دخلت عليهم الشبهة فى هذا الاستدلال .
[9] فنقول إنّا لسنا ندفع انقسام الجسم بكلّيته وإلى غير نهاية من جميع الوجوه ،
لكن هو عندنا ممكن من جهة وغير ممكن من جهة . أمّا الجهة التى هو عندنا بها
ممكن فهو الانقسام بالقوة لا الانقسام بالفعل الذى يكون على جميع النقط
التى فيه معا . فإنّه لو كان ذلك كذلك للزم ضرورة أن ينحلّ الجسم إلى النقط
أو إلى لا شئ ، أو يسلّمون أنّ الأعظام الغير منقسمة هي النقط . وليس يلزم
إذا كان منقسما بكلّيته بالقوة ، أعنى على كلّ نقطة ، أن يكون منقسما بالفعل
كما توهّموا . وذلك أنّه ليس يلزم إذا كانت كلّ نقطة فى الجسم فهي قابلة
للانقسام على حدّ سواء أن تكون كلّها قابلة للانقسام معا وأن يكون الجسم
منقسما عليها معا .

[Page 16] وإنْ كان منقسما على كلّ واحدة منها على حدّ سواء كما أنّ الإنسان ليس يلزم
من قولنا فيه إنّه قابل لجميع العلوم أن يكون قابلا لها معا . وذلك أنّ ما
يصدق على الشئ منفردا فليس يصدق عليه مركّبا على ما قيل فى كتاب
سوفسطيقى . وهذه المغالطة هي من هذا الموضع . وإنّما كان يمكن أن ينقسم
على كلّ النقط معا لو كانت نقطة تلقى نقطة . وقد تبيّن أنّه لا تلاقى نقطة
نقطة فى السادسة من السماع . ولذلك ما نرى أنّه متى قسمنا العظم على
نقطة أنّه لا يمكن أن يقع الانقسام على النقطة التى تلى تلك النقطة وقد كان
ذلك ممكنا فيها قبل أن يقع الانقسام على هذه كما كان ممكنا فى النقطة التى
وقع عليها الانقسام . فلمّا وقع الانقسام فى الأولى تعذّر إمكان الانقسام فى
التى تليها . فمتى أخذنا نقطة واحدة أمكن أن ينقسم بها العظم فى أيّ
موضع شئنا . فإذا قسمنا بها العظم فى موضع ما ، لم يمكن أن نقسمه بنقطة
ثانية فى أيّ موضع شئنا إذ كان لا يمكن أن نقسمه على نقطة تالية لتلك
النقطة .

[Page 17] وإذ قد تبيّن من هذا القول بطلان ما استدلّوا به على وجود أعظام غير منقسمة
وكان قد تبيّن فيما سلف بطلان هذا الرأي نفسه ، فبيّن أنّه إنْ كان هاهنا تفريق
وجمع ، فواجب ألاّ يكون تفريق إلى ما لا ينقسم ولا جمع ممّا لا ينقسم وأنَّ
تَوَهُّمَ ذلك مِن قِبَل قسمة الجسم بكلّيته إنّما كان يصحّ لو كانت نقطة تلى نقطة .
[10] ونحن فلسنا ندفع أنّ كونا ما يكون بالاجتماع وفسادا ما يكون بالافتراق .
فأمّا الكون المطلق والفساد المطلق فلا يمكن أن يكون من قبل الاجتماع
والافتراق من أجل أنّه لا يمكن أن يكون من قبل الكمّ المتّصل تغيّرٌ فى الجوهر
ولا تغيّر فى الكيف . وهذا هو الذى وقع لهم الخطأ فيه أوّلاً . بل إنّما التكوّن
المطلق هو التغيّر للشئ بأسره من هذا المشار إليه إلى هذا المشار إليه مثلَ أن
يتغيّر هذا الماء المشار إليه هواء مشارا إليه . وهؤلاء قد كانوا يظنّون بمثل هذا
أنّه استحالة . وبين هذا والاستحالة فرق . وذلك أنّ الموضوع للاستحالة شئ
ما موجود بالفعل ومشار إليه والموضوع للكون ليس موجودا بالفعل ولا مشارا
إليه . ولذلك كان التغيّر فى الجوهر كونا وفسادا وفى الأعراض التى تقال فى
موضوع استحالة . فأمّا افتراق الشئ واجتماعه فهو ممّا يصير به الشئ أسرع
فسادا أو أبطأ . وذلك أنّه إذا انقسم إلى أجزاء صغار سَهُلَ فساده ، وإذا كان
مجتمعا غير منقسم عسر فساده وسيبيّن هذا فيما بعد أكثر .

[Page 18]

الفصل الثالث

وهذا الفصل تبيّن فيه خمسة مطالب :
المطلب الأوّل يبيّن فيه ممّاذا يكون التكوّن المطلق وإلى ماذا يكون الفساد
المطلق إنْ كانا موجودين .
الثانى : يذكر فيه شكّا يلزم فى وجود الشئ الذى بالقوة الذى منه
يكون الكون والفساد .
الثالث : يفحص فيه عن سبب اتّصال الكون فى الموجودات ويعرّف أن
بالوقوف على هذا السبب يوقف على حلّ ذلك الشكّ .
الرابع : يبيّن فيه كيف جرت العادة عندهم أن يقال فى بعض الجواهر
إنّها تَكَوَّنَت على الإطلاق وفسدت على الإطلاق ولا يقال ذلك فى غيرها بل
يقال إنّها تكوّنت من غير موجود ما وفسدت إلى غير موجود ما . ويحلّ بذلك
الشكّ الذى يعرض فيما أعْطِيَ من سبب اتّصال الكون بأن يكون الموجود أبداً
يتكوّن عن موجود .
الخامس : يبيّن فيه لِمَ كانت الموجودات يقال فيها انّها تتكوّن على
الإطلاق وبعضها يقال فيها إنّها تتكوّن شيئا ما لا على الإطلاق .
وهذان المطلبان الآخِران راجعان إلى مطلب واحد كما سيظهر عند وصولنا إليه .

[Page 19]

المطلب الأوّل

[11] قال : وإذ قد تبيّن أنّه لا يمكن أن يكون الكون بإطلاق اجتماعا ولا الفساد
تفرّقا فينبغى أن ننظر هل هاهنا شئ يتكوّن ويفسد على الإطلاق أم ليس
هاهنا شئ يتكوّن ويفسد إلاّ بطريق الاستحالة التى تعرض فى شخص العرض
الموجود فى موضوع مشار إليه مثل تكوّن الصحيح مريضا والمريض صحيحا .
وذلك أنّه إنْ كان هاهنا تكوّنٌ على الإطلاق وفساد على الإطلاق فينبغى أن
يكون لشخص الجوهر المشار إليه ، لا لشخص شئ من الأشياء التى تقال فى
موضوع . وإنْ كان لشخص الجوهر المشار إليه تَكَوَّنٌ فينبغى أن يكون ممّا ليس
هو شخص الجوهر كما أنّ التكوّن للأبيض إنّما يكون عمّا ليس هو أبيض ولا
أسود . وذلك أنّه كما أنّ التكوّن الذى يقال فيه إنّه تكوّنٌ ما يكون من لا شئ
ما لا عمّا ليس هو شيئا على الإطلاق ، كذلك ما يتكوّن بإطلاق يلزم أن يكون
عمّا ليس هو بإطلاق . وما ليس هو بإطلاق يفهم على أحد وجهين إمّا لأنّه
ليس جوهرا مشارا إليه وهو واحد من سائر المقولات وإمّا لأنّه ليس جوهرا
مشارا إليه ولا واحدا ممّا هو تحت المقولات العشر لا كمّ ولا كيف ولا غير ذلك .
وكيف ما فهمنا من ليس المطلق يلزم أن يكون المفهوم منه عدم المقولات العشر.

[Page 20] وذلك أنّه إنْ أردنا بما هو ليس بإطلاق أنّه عدم الجوهر فبيّن أنّه يلزم عنه عدم
سائر المقولات وألاّ يكون شئ منها موجودا . وإلاّ كانت الأعراض مفارقة
للجوهر إذ كانت توجد فيما ليس هو جوهرا . وإذا كان ليس المطلق الذى منه
الكون المطلق يدلّ على عدم المقولات فنحن بين أحد أمرين : إمّا أن نضع أن
العدم شئ ما أو نعتقد أنّ شيئا يكون من العدم المطلق . وقد لخّص حلّ هذا
الشكّ فى المقالة الأولى من السماع الطبيعي وهو يضع ما قيل هنالك هاهنا .
فيقول إنّ التكوّن المطلق يكون عن موجود بالقوة لا بالفعل وهو الذى يصدق
عليه من جهة أنّه موجود ومن جهة أنّه غير موجود . وذلك أنّه غير موجود
بالفعل موجود بالقوة .

[Page 21]

المطلب الثانى

ولمّا صحّ حلّ ذلك الشكّ من هذه الجهة قال إنّه يبقى فى ذلك شكّ آخر حتّى أنّه
يعيد الشكّ الأوّل فى وجود الكون المطلق من رأس ، أعنى هل هاهنا كون مطلق
أم لا .
[12] والشكّ هو هذا : وذلك أنّه إنْ كان هاهنا تكوّن مطلق وكان عمّا هو بالقوة
موجود وليس هو بالفعل ، فهل لهذا الشئ الموجود بالقوة شئ من الأشياء
الموجودة بالفعل كأنّك قلت واحد من مقولات العرض مثل أن يكون له بالفعل
كمّ أو كيف أو غير ذلك من المقولات العشر أو ليس له واحد من المقولات
العشر بالفعل ، وإنّما هي له كلّها بالقوة . فإنْ كان له موجودا بالقوة جميع
المقولات وليس فيه شئ بالفعل منها ، لزم أن يطلب هل يمكن أن يفارق ما
بالقوة ، وقد تبيّن استحالة ذلك . وأيضا فإنّه يلزم عنه أن يكون موجودٌ من
غير موجود بالفعل وهو الشئ الذى كان القدماء يهربون من تسليمه . وإنْ
كان واحدا بالفعل من مقولات العرض لزم أن توجد الأعراض مفارقة للجوهر .

[Page 22]

المطلب الثالث

[13] قال : وقد يجب أن نبحث عن هذا المعنى بعناية بالغة . والوقوف عليه
يكون إذا وقفنا على السبب الذى من أجله وجب أن يكون التكوّن دائماً المطلق
وغير المطلق .
[14] قال : ولمّا كانت الأسباب التى فى الكون سَبَبَيْن أحدهما السبب المحرّك
والآخر الهيولاني ، فإنّا إنّما نطلب الوقوف على هذه الأشياء هاهنا من قبل
السبب الهيولاني . وذلك أنّ السبب المحرّك صنفان : إمّا أوّل وعامّ وإمّا غير
أوّل ولا عامّ . فأمّا الأوّل العامّ لجميع المتحرّكة فقد تبيّن وجوده السماع .
وذلك أنّه قد تبيّن هنالك أنّ هاهنا صنفين من المحرّكين أحدهما غير متحرّك
الدهر كلّه بل محرّك فقط ، والثانى متحرّك عنه الدهر كلّه . فأمّا تلخيص
جوهر هذين المحرّكين فمن شأن الفلسفة الأولى . وأمّا المحرّكات الغير الأول
الجزئية الدائمة التحريك التى مِن قِبَلها أيضا صار الكون دائماً فسيلخّص فيما
بعد .

[Page 23] [15] وإذا كان هذا هكذا فالقصد هاهنا إنّما هو إعطاء السبب الهيولاني الذى
من قبله كان الكون والفساد دائماً إلى أن نتكلّم بعد فى الأسباب الجزئية
الفاعلة لهذه الحال من الاتّصال فى الكون . وبإعطاء هذا السبب الذى من جهة
الهيولى ينحلّ الشكّ الذى تقدّم وهو كيف يكون ما بالقوة عاريا ممّا بالفعل .
[16] وقد ينبغى قَبْل أن نأتي بهذا السبب أن نذكر الشكّ الذى يلحق مِن قِبَل
الموضوع فى اتّصال الكون . والشكّ هو هكذا : إنْ كان الفساد إنّما يفسد
ويصير ما ليس هو بموجود ولا واحدة من المقولات العشر وكان المتكوّن يتكوّن
من موجود متناه فقد يلزم ضرورة أن يبيد الكلّ ويخرب العالم لأنّه ليس لقائل
أن يقول إنّما دام التكوّن لأنّ ما منه الكون ليس ينفد ولا يتمّ لأنّه غير متناه
بالفعل . فإنّ وجود شئ غير متناه بالفعل قد تبيّن أنّه محالٌ وأنّ الممكن مِن
وجود غير المتناهى إنّما هو بالقوة مثل القسمة التى توجد فى الأعظام ، وذلك
أنّها تنقسم أبداً دائماً بنصفين .
[17] وهذا الشكّ ينحلّ والشكّ المتقدّم بأنّ فساد الشئ الواحد بعينه هو تكوّن
لغيره . وذلك أنّه إذا كان فساد الفاسد كونا للكائن وجب ضرورة ألاّ ينقطع
الكون وذلك بتعاقب الصور على الموضوع الذى هو الهيولى . ووجب أيضا ألاّ
يتعرّى ذلك الشئ الذى منه الكون المطلق الموجود بالقوة عن الشئ الموجود
بالفعل وهو الصورة .

[Page 24]

المطلب الرابع

[18] قال : ويعرض فى هذا الشكّ قد ينبغى أن ننظر فيه ، وهو أنّه إذا كان كون
الجوهر فسادا لجوهر كيف يعرض أن يقال فى بعض الأشياء التى فيها الكون
فى الجوهر والفساد فى الجوهر إنّها تكوّنت لا بإطلاق وفسدت لا بإطلاق .
فنقول إنّ هاهنا جهة من الجهات يدلّون بها على هذا المعنى ، وذلك أنّه يشبه أن
يكون ما يعرض من ذلك فى كون الجواهر بعضها عن بعض شبيها بما يعرض
من ذلك لكون الجوهر عند مقايسته بكون الأعراض . فكما أنّه يقال فى كون
الجوهر إنّه كون على الإطلاق وكذلك فى فساده ولا نقول ذلك فى كون
الأعراض وفسادها بل نقول كونا ما وفسادا ما لا كونا على الإطلاق ولا فسادا
على الإطلاق . كذلك يشبه أن يعرض للجواهر بعضها مع بعض إذ كانت
الجواهر التى تتغيّر بعضها إلى بعض مختلفة من قبل أنّ بعضها تدلّ على
المشار إليه بالتقديم والتحقيق ، أعنى الذى هو جوهر أوّل ومقصود بذاته
وبعضها لا يدلّ على مثل هذا المشار إليه بل إنّما يدلّ على مشار متأخّر فى
الجوهرية . مثال ذلك أنّ النار لمّا كانت تدلّ على المشار إليه الموجود بالتحقيق
عند برمنيدس أكثر من الأرض ، سمّى النار موجودة والأرض غير موجودة .
فعلى هذا النحو وما أشبهه يمكن أن يقال فى مثل تكوّن النار من الأرض إنّه
كون مطلق وفى مثل تكوّن الأرض من النار إنّه كون ما ، لا كون بالإطلاق .
وهذه إحدى الجهات التى منها يصحّ أن يقال فى بعض الجواهر كائنة بإطلاق
وفى بعضها لا . وذلك بحسب ما يعتقد فيها واحد واحد من الناس .

[Page 25] وإنّه لا يُحَلّ بصحّة هذه الجهة من الاستعمال غلط من غلط فى ذلك ، فاعتقد
فيما وجوده أكمل أنّه أنقص أو فيما وجوده أنقص أنّه أكمل . وليس المقصود
هاهنا تصحيح قول برمنيدس ولا غيره وإنّما المقصود تصحيح هذه الجهة من
الاستعمال . فهذا فرق واحد من حهة الصورة ، وفرق ثان من جهة الهيولى .
وذلك أنّ أشخاص الجواهر التى الغالب على تركيبها من العناصر الأربعة ما
كان فصوله الضدّية أقرب إلى الوجود وأدلّ على المشار إليه فهي أكمل أيضا
فى الجوهرية مِن الأشخاص التى الغالب على تركيبها من العناصر ما كان
فصله أقرب إلى العدم وأقلّ دلالة على المشار إليه . مثال ذلك أنّ فصل النار
الذى هو الحرارة أقرب إلى الوجود من فصل الماء الذى هو البرودة . وذلك أنّ
البرودة بوجه ما هي عدم الحرارة . فالأشخاص التى الغالب على تركيب
أجزائها النار هي أتَمّ وجودا من التى الغالب على تركيبها الأرض والماء .
فلذلك يمكن أن يقال فى مثل هذه الأشياء إذا تكوّن الأنقص من الأكمل إنّه
للأكمل فساد مطلق وللأنقص كون ما . وبالضدّ إذا تكوّن الأكمل من الأنقص
بل يمكن أن يقال فى الأكمل إذا فسد إلى الأنقص إنّه فسد إلى غير موجود ،
وذا تَكَوَّنَ الأكمل من الأنقص إنّه تكوّن من غير موجود على ما جرت عادة
القدماء أن يستعملوه فى مثل هذه الأكوان .

[Page 26] [19] وقد يسبق إلى ظنّ كثير من القدماء أنّ الكمال والنقصان فى أشخاص
الجوهر التى من قبلها يعرض لها هذا العرض إنّما هو من قبل تفاضلها فى
الإحساس وعدمه . فيقولون متى كان تغيّر الشئ إلى شئ محسوس من غير
محسوس إنّه تَكَوَّنَ من غير موجود ، ومتى تغيّر إلى شئ غير محسوس قالوا
إنّه فسد إلى غير موجود . وإنّما عرض ذلك لهم مِن قِبَل أنّهم ظنّوا أنّه لا سبار
هاهنا لمعرفة الأشياء إلاّ الحسّ . وإذا كان ذلك كذلك فواجب أن يكون
المحسوس هو الموجود والغير محسوس هو المعدوم كما أنّ المعلوم عندنا هو
الموجود والغير معلوم هو الغير موجود . وذلك أنّهم لمّا اعتقدوا أنّ الموجود هو
المدرك لنا و انّه ليس هاهنا موجود غير مدرك فاعتقدوا أنّ الإدراك لنا الذى
نحن به ما نحن إنّما هو بالحسّ ، اعتقدوا أنّ المحسوس هو الموجود . وهم وإنْ
كانوا غالطين فى ذلك ، كما يقول أرسطو ، فَهُمْ مقتفون فى هذا الاعتقاد أثر
الحَقّ بوجه ما وهو قولهم إنّ الموجود هو المدرك والغير مدرك بالطبع هو
المعدوم . لكن غلطهم إنّما هو فى أن أجْروا الحسّ مجرى العلم . ولذلك يعرض أن
يكون الأمر فى نفسه خلافه عند الحسّ . مثال ذلك الهواء والأرض فإنّ الهواء
عند العقل أكمل وجودا من الأرض والأرض أكمل وجودا عند الحس . ولذلك
ليس يلزم أن يكون ما كان أكثر محسوسا أن يكون أكمل لأنّ الأكمل على
الحقيقة إنّما هو الأكمل عند العقل .

[Page 27] [20] فقد تبيّن من هذا القول السبب الذى من أجله يمكن أن يقال فى تغيّر بعض
الجواهر إلى بعض إنّه كون مطلق وكون من غير موجود وفساد مطلق وفساد
إلى غير موجود ، وليس السبب الذى به قلنا فى التغيّر إلى بعض الجواهر إنّه
كون مطلق وفى تغيّر بعضها كون ما هو بعينه السبب الذى به نقول فى التغيّر
إلى الجوهر إنّه كون مطلق وفى التغيّر منه إنّه فساد مطلق ونقول فى التغيّر
إلى سائر المقولات ومنها إنّه كون ما وفساد ما . وذلك أنّ السبب فى هذا هو
ما قيل فى كتاب المقولات أنّ الأمور المشار إليها صنفان : فَمِنْها ما لا يقال لا
فى موضوع ولا على موضوع ، وهو شخص الجوهر ، ومنها ما هو فى موضوع
وهو شخص العرض . فما كان من هذا لا فى موضوع قيل فى التغيّر إليها إنّه
كونٌ بإطلاق وفى التغيّر منه إنّه فساد بإطلاق ، وما كان من الأشخاص التى
تقال فى موضوع قيل فى التغيّر إليها ومنها إنّه كون شئ ما وفساد شئ ما .
والسبب فى هذين الاستعمالين أعنى الذى فى الجواهر والذى فى الأعراض
والجواهر هو بجهة ما سبب واحد ، وهو أنْ وُجِدَ فيها صنفان ، كامل وغير كامل ،
فقيل فى التغيّر إلى الكمال ومن الكمال فى الصنفين جميعا كون مطلق
وفساد مطلق ، وفى التغيّر إلى الناقص ومن الناقص إنّه كون ما وفساد ما .

[Page 28] مثال ذلك فى الجواهر كون الأرض من النار والنار من الأرض وكون الإنسان
وكون العلم الإنسان . فإنّ التغيّر من النار والى النار يقال فيه كون مطلق
وفساد مطلق والتغيّر من الأرض والى الأرض يقال فيه كون ما وفساد ما ، إذ
النار أكمل وجودا من الأرض ، والتغيّر من الإنسان وإلى الإنسان يقال فيه
أيضا كون مطلق وفساد مطلق ،والتغيّر من العلم وإلى العلم يقال فيه إنّه
كون ما وفساد ما . فقد تبيّن من هذا القول الوجه الذى به نقول فى التغيّر إلى
بعض الجواهر ومنها كون بإطلاق وفساد بإطلاق ، وفى بعضها لا نقول ذلك ،
والوجهُ الذى به نقول ذلك فى الجواهر والأعراض ، وأنّها على جهة شبيهة
[21] وأنّه ليس ينبغى أن يشكّكنا القول فى بعض هذه الجواهر إنّها تتكوّن من
غير موجود وتفسد إلى غير موجود فيما قلنا من أنّ السبب فى اتّصال الكون
هو أنّ الهيولى الأولى ليس يمكن أن تتعرّى من أحد الضدّين أبدا ، أعنى أنّ
الكون يكون من موجود والفساد إلى موجود ، لأنّ غير الموجود إنّما يدلّ به على
أخسّ الضدّين ، والموجود يدلّ به على أشرفها . وإذا كان ذلك كذلك فبالواجب ألاّ
يُخلّ الكون لأنّ فساد غير الموجود الذى هو الضدّ الأخسّ يكون أبداَ كونا
للموجود الذى هو الضدّ الأشرف والمحسوس أكثر وفساد الضدّ الأشرف يكون
كونا لغير الموجود الذى هو الضدّ الأخسّ والغير محسوس والأقلّ محسوس .

[Page 29] [22] وكذلك قد يتشكّك فى هذا القول ويقال هل قولنا الموجود وغير الموجود ينطلق
على الضدّين الذين أحدهما أشرف من الآخر مثلَ أن يكون الثقيل الذى هو
الأرض هو غير موجود والخفيف الذى هو النار هو الموجود ، أم غير الموجود
يدلّ على هيولى الضدّ الأخسّ كأنّك قلت هيولى الأرض ، والموجود يدلّ على
هيولى الضدّ الأشرف كأنّك قلت هيولى النار . وهذا يوجب أن ننظر هل هذه
الهيولى هي بعينها واحدة لجميع هذه الأجسام الأربعة أم ليست هي واحدة
بعينها . فنقول إنّها من وجه واحدة بعينها ولذلك أمكن أن تستحيل بعضها
إلى بعض ومن جهة كثيرة وبذلك أمكن أن تقبل الصور المتضادّة . فهي
واحدة بالموضوع كثيرة بالقوى والاستعداد لقبول الصور المتضادّة . وهذه
الاستعدادات بعضها أيضا أشرف من بعض لكون كمالاتها أشرف .
فهذا مبلغ ما قاله فى أمر التكوّن المطلق والتكوّن الغير مطلق ، أعنى فى
الجوهر .

[Page 30]

الجملة الرابعة

[23] قال : ونحن مخبرون بالفرق الذى بين الكون والاستحالة . وذلك أنّ كلّ
واحد من هذين هما تغيّر ولًهُما موضوع وضدّان وشئ يلحق الموضوع وهما
يفترقان فى الموضوع والشئ الذى فى الموضوع . فالاستحالة تكون متى كان
الموضوع شيئا بالفعل ومشارا إليه وتغيّرَ فى نوع من أنواع مقولة الكيف متى
كانت تلك الكيفيتان متضادّتين أو كانتا بين الضدّين . مثال ذلك أنّ البدن
الواحد بعينه يصحّ حيناً ويمرض حيناً وهو واحد بعينه والنحاس المشار إليه
يكون حيناً مستديرا وحينا ذا زوايا وهو واحد بعينه . وأمّا التغيّر فى الجوهر
فيكون متى لم يبق من الشئ الذى منه التغيّر شئ مشار إليه على أنّه
موضوع لذلك الشئ الحادث فيه بالذات لا بالعرض ، مثال ذلك إذا تغيّر الدم
وصار كلّه منى أو تغيّر الهواء بجملته فصار ماء .
[24] وأبين ما يكون ذلك متى كان التغيّر من غير محسوس إلى محسوس
بحسّ اللمس أو بسائر الحواسّ . مثال ذلك أن يتكوّن من الهواء ماء ، فإنّ
الهواء يكاد أن يكون غير محسوس لا بالبصر ولا باللمس . وإنّما اشترطنا فى
المشار إليه الثابت للكيفية المتكوّنة أن تكون تلك الكيفية موجودة له بالذات
من قبل أنّه قد يوجد فى الأشياء المتكوّنة شئ يبقى بعينه محسوسا مثل
الجسمية الباقية فى الماء والهواء عند تكوّن أحدهما من الآخر ،

[Page 31] ومثل الشفيف والرطوبة وغير ذلك من الأعراض التى يشتركان فيها . لكنّ
هذه الأشياء التى تبقى بعينها فى المتكوّنات يظهر أنّها ليست موضوعة
للشئ الحادث فى أمثال هذه المتغيّرات بالجهة التى هو الشئ المشار إليه
موضوعا فى التغيّر الذى فى الكيف . والسبب فى ذلك أنّ الشئ الباقى فى
مثل تكوّن الماء من الهواء هو شئ لاحق للموضوع القابل لذلك التغيير لا أنّه
الموضوع نفسه ، بل إنّما هو بالعرض أىْ من قبل أنّه فى الموضوع . ولذلك لو
كان وجود الاستحالة فى موضوعها المشار إليه مثل هذا الوجود ، أعنى
بالعرض ، لكانت الاستحالة هى الكون . مثال ذلك أنّ الرجل لو كان موضوعا
لصناعة الموسيقى وعدمها على جهة ما الجسمية موضوعة لصورة الماء والهواء ،
أعنى بالعرض ، لكان تَغَيُّرُ الرجل من الجهل بالموسيقى إلى المعرفة بها كونا
وفسادا فى الجوهر . لكنّ الرجل هو موضوع بالذات للمعرفة بالموسيقى فلذلك
كان استحالةً لا كونا . والاستحالة فى ثبات الموضوع لها بالذات يوافق
سائر التغايير ويخالفها فى الشئ الذى وقع إليه التغيّر . فمتى كان التغيّر
المضادّ فى الكمّ ، كان نموا واضمحلالا ، ومتى كان فى المكان كان نقلة ، ومتى
كان فى الكيفية كان استحالة . ويخالف التغيّر فى الجوهر جميع هذه التغايير
بأن لا يوجد فيه شئ موضوعا بالذات للشئ الذى وقع إليه التغيّر . فمتى كان التغيّر
الهيولى على التحقيق هي الموضوعة لهذا التغيّر ، والموضوع لسائر أصناف
التغايير إنّما يقال لها هيولى بأمر متأخّر . فقد تبيّن من هذا أنّ التكوّن موجود
وعلى أيّ جهة وجوده وتبيّن الفرق بينه وبين الاستحالة .

[Page 32] قلت : والأبْين فى هذا الفرق بين الموضوع للاستحالة والموضوع للكون والفساد
ممّا يظنّ به أنّه شئ واحد بالعدد لجميع المتكوّنات فى الجوهر مثل الجسمية . إنّ
الجسمية المشتركة لجميع ما يتكوّن فى الجوهر هي واحدة بالعدد بالقوة لا
بالفعل ، والجسمية الموضوعة للاستحالة هي واحدة بالعدد بالفعل . ولذلك لا
يبدّل جوهرها تَبَدُّلَ الأعراض عليها . وتَبَدُّلُ حدّ المتكوّنة فى الجوهر تبدّل الصور
عليها وإنْ اشتركت فى الجسمية وفى ما يتبع الجسمية من الأعراض . فعلى هذا
ينبغى أن تفهم مذهب أرسطو فى هذا .
ولذلك الأبعاد الثلاثة التى تقوّم طبيعة الجسم وهي أوّل حال فى الهيولى . وإنّ
الهيولى لا تتعرّى منها فى كون من الأكوان لا على أنّ وجودها فى الهيولى
بالفعل بل بنوع من أنواع القوة غير القوة التى تقوّمت بها الهيولى وهي القابلة
لهذه الأبعاد الثلاثة . وكان وجودها متوسّطا بين القوّة الهيولانية وبين الأبعاد
الثلاثة التى بالفعل التى هي موضوع الاستحالة .

[Page 33]

الجملة الخامسة

وهذه الجملة فيها فصول ثلاثة :
الفصل الأوّل : يخبر فيه بالفرق بين النمو وسائر الحركات من قبل الصورة .
الفصل الثانى : يتشكّك فيه على الشئ الذى به يكون النمو من الأوائل
الموجودة بالطبع وأيّ وجود وجوده .
الفصل الثالث : يخبر فيه بالوجه الذى به يكون النمو من الأوائل الموجودة له
بالطبع وكيف تنحلّ الشكوك التى فيه من تلك الأوائل .
الفصل الأوّل

[25] قال : وقد ينبغى أن نبحث هل الفرق الذى بين النمو وبين سائر التغايير إنّما
هو الفرق الذى يوجد لها مِن قِبَل الشئ الذى فيه التغيّر وهو الذى يتنزّل من
هذه التغايير منزلة المادّة ، مثل قولنا إنّ التغيّر الذى يكون فى شخص الجوهر
المشار إليه هو كون وفساد ، والتغيّر الذى يكون فى العظم هو نمو واضمحلال ،
والتغيّر الذى يكون فى الكيف هو استحالة ، والتغيّر الذى يكون فى الأين
هو نقلة ، وإنّه يشمل جميعها أنّه تغيّرٌ ما بالقوة إلى ما بالفعل ، أم هاهنا فرق
آخر بين النمو وبين هذه التغايير مأخوذ من قبل الصورة والفاعل ،

[Page 34] وهو بيّن أنّ هذا الفرق الذى من هذه الجهة موجود فى النمو وذلك أنّ النامي
والمضمحلّ يبدّلان المكان ، والمستحيل والمتكوّن ليسا يبدّلان المكان . وتبديل
النامى أيضا والمضمحلّ المكان هو بخلاف تبدّل المكان المنتقل وذلك أنّ المنتقل
صنفان إمّا مستقيم وإمّا مستدير . فالنامى يخالف تبديل المتنقل على
استقامة ، فإنّ المنتقل على استقامة يبدّل المكان بجملته والنامى والمضمحلّ
يبدّله بأجزائه ، ويخالف المنتقل على استدارة وإنْ كان كلاهما متحرّكين
بالأجزاء فإنّ أجزاء المتحرّك على استدارة تبدّل المكان بأن ينتقل منه لا بأن
يأخذ مكانا أعظم ولا أصغر وأجزاء النامى تبدّله بأن تأخذ مكانا أعظم وأجزاء
المضمحلّ تبدّله بأن تأخذ مكانا أصغر .
[26] فقد بان أنّ الفرق بين النمو وبين سائر التغايير هو فى الأمرين جميعا أعنى
فى الشئ الذى فيه التغيّر وهو الذى يتنزّل منها منزلة الهيولى وفى صورة
التغيّر نفسه .

[Page 35]

الفصل الثانى

[27] قال : وإذا كان النمو والاضمحلال إنّما يكونان فى الجسم والعظم فقد
ينبغى أن ينظر هل نمو الجسم يكون من شئ هو موجود بالفعل جسما أو من
شئ هو موجود بالقوة عظما وجسما ولأنّ هذا القسم الثانى يقال أوّلا على
اثنين : أحدهما أن يكون الشئ الذى بالقوة عظم وجسم مفارقا للجسم
المحسوس ، والثانى أن يكون فى جسم محسوس ، وهذا أيضا على ضربين :
إمّا أن يكون فى جسم محسوس بذاته مثل الشئ الكامن فى الشئ وإمّا أن
يكون فيه بالعرض مثل ما نقول نحن فى وجود الهيولى فى الأجسام ، فقد
ينبغى أن ننظر فى واحد واحد من أقسام الذى بالقوة ، ثم ننظر فى القسم الذى
بالفعل . فنقول : أمّا إنْ كان النمو والاضمحلال من هيولى مفارقة للجسم
المحسوس فقد يلزم ضرورة إمّا ألاّ يشغل مكانا فتكون إمّا نقطة وما يجرى
مجراها ممّا ليس فى مكان وإمّا خلاء وإمّا أن يكون جسما غير محسوس .
فأمّا كونُ النقط مادّةً للجسم وكون الخلاء موجودا فقد تبيّن استحالة ذلك فيما
تقدّم . وأمّا إنْ كانت جسما غير محسوس فإنّه يجب أن يكون ذلك الجسم من
جهة ما منه كونُ العظم فى مكان . وذلك أنّ كلّ ما يكون منه شئ فواجب أن
يكون فى مكان إمّا بذاته وإمّا بطريق العرض كما نقول نحن فى المادّة الأولى .

[Page 36] وذلك أنّه لا فرق فى الواجب بين الذى يكون منه الجسم على الإطلاق وبين الذى
منه ينمو الجسم ، إذ كان الكون هو فى الكلّ والنمو كون فى الجزء . ولذلك
هذا الفحص هو من جهة مشترك لهما ومن جهة خاصّ بالنمو . وإذا كان
الجسم المفارق فى مكان فهو محسوس وغير مفارق فهو داخل فى الفحص عن
القسم الأوّل وهو الذى أرجأ الفحص عنه إلى تمام الفحص عن هذه الأقسام .
[28] وإذا لم يكن نمو العظم ولا تَكَوُّنُه من شئ هو موجود بالقوة ومفارق ،
فقد بقي القسم الأخير وهو أن يكون من شئ موجود بالفعل . وكان هذا على
ضربين إمّا بذاته وإمّا بالعرض . فأمّا الذى بذاته فمثلُ أنْ نقول إنّ الماء إذا
تكوّن هواء فإنّما يكون لا بأن يتغيّر الماء إلى الهواء لكن بأن يخرج من الماء
هواء على أنّه كان كامنا فيه لا على أنّه حدث ، وأمّا الذى بالعرض فمثل ما
نقول فى وجود الهيولى الأولى فى الأجسام . وكون مادّة العظم والجسم فى
النمو أو فى الكون موجودة بطريق الكمون ممتنع ، فإنّه يلزم عن ذلك أن يوجد
فى الجسم المتناهى أجسام بالفعل لا نهاية لها . وذلك أنّه إذا جاز أن يوجد
فى الماء هواء أعظم منه أو مساو له جاز أن يوجد فيه أجسام لا نهاية لها
بالفعل إلى غير ذلك من الشناعات التى عدّدت فى غير هذا الموضع .

[Page 37] [29] فالأوْلى إذاً أن نضع أنّ مادّة كون الجسم ونموه هي الهيولى الأولى التى
قلنا أنّها واحدة بالعدد كثيرة بالقوة ، لا أنّ الهيولى جسم موجود بالفعل فى
جسم ، ولا أنّها أيضا نقط وخطوط وسطوح . فإنّ هذا يلزم عنه ألاّ تكون فى
مكان لا بذاتها ولا بالعرض . وما منه كون العظم قد يجب أن يكون فى مكان
كما قلنا إمّا بالذات وإمّا بالعرض ، بل الهيولى هى الشئ الذى الخطوط
والسطوح نهاية لها وحدّ . ولذلك ليس يوجد فى حال من الأحوال مفارقة
للأعراض والصور ، إذ كانت النهايات لا يمكن فيها أن تفارق الشئ الذى
هي نهاية له .
[30] وقد نجد التغيّر فى الكون يشبه التغيّر فى النمو فى السبب الفاعل
والمادّى . أمّا فى السبب الفاعل فأنّه كما أنّ المتكوّن إنّما يتكوّن عن شئ
موجود بالفعل ، إمّا من نوع المتكوّن وإمّا من جنسه القريب أو البعيد . أمّا
من النوع فمثل الإنسان من الإنسان والنار من النار ، وأمّا بالجنس البعيد فمثل
تكوّن الصلب من البارد . كذلك النامى إنّما الفاعل فيه شئ هو وصورة الأجزاء
المتكوّنة واحدة بالنوع . فإنّ الفاعل لأجزاء العظم الذى ينمو بها هو العظم ،
وكذلك الأمر فى سائر ما ينمو .

[Page 38] [31] وأمّا فى السبب الهيولانى فإنّه لمّا كان ليس هاهنا هيولى بالقوة للجسم
العامّ على ما تبيّن وإنّما هي هيولى لجسم آخر مشار إليه ، وكان النمو إنّما
هوكون فى أجزاء الجسم المشار اليه ، فواجب أن تكون الهيولى لهما واحدة .
إلاّ أنّ هذا الذى وقفنا عليه من أمر مادّة النمو ليس هو شيئا يخصّه ، بل هو
شئ عامّ له وللكون . فأمّا النمو فإنّه إذا نظرنا فيه بما يخصّه وجب أن يكون
مع وجود مادّة الكون فيه من جسم موجود بالفعل . وذلك أنّ النمو لمّا كان
تكوّناً فى الكميّة ، والاضمحلال فسادا فى الكميّة ، وكان العظم إنّما يزيد من
قِبَل زيادة عظم فيه بالفعل ـ وإلاّ وجب أن يكون الجسم مؤلّفا من النقط ـ
وكذلك لا ينقص إلاّ من قِبَل فساد عظم منه بالفعل ، فواجب أن يكون النمو من
شئ هو بالفعل جسم . وأمّا التكوّن فلأنّه فى باب الكيفية ليس يلزم ذلك
فيه .
[32] إلاّ أنّ هذا يتلقاه شكّ كبير ، وهو أن يكون الجسم يداخل الجسم بأسره ،
وإلاّ ـ كيف ينمو النامى فى جميع أجزائه حتّى يكون جسمان فى مكان واحد ؟

[Page 39] [33] وليس لقائل أن يقول إنّ التكوّن الذى فى النمو ، وإنْ كان فى باب
الكميّة ، فإنّه ليس يلزم أن يكون بورود جسم على النامى بالفعل . وذلك أنّا
نجد الهواء إذا تكوّن من الماء انتقل إلى كميّة أعظم من غير أن يَرِد هنالك
جسم من خارج فإنّ هذا ليس هو نموا وإنّما الهيولى الأولى من شأنها أن تقبل
الزيادة والنقصان فى العظم . وذلك يظهر ظهورا بيّنا إذا تحفظ بالأشياء
الموجودة بالذات للنامى وهي الأوائل التى منها ننظر فيه ، وهي ثلاثة :
أحدها أنّ كلّ نقطة منه وكلّ جزء محسوس فهو ينمو على مثال واحد
وكذلك إذا اضمحلّ يضمحلّ فى كل جزء محسوس . والثانى أنّه إنّما ينمو
بورود شئ من خارج عليه . والثالث أن يكون الشئ الذى يتّصف بالنمو
والإضمحلال مشارا إليه وباقيا بعينه . وإذا كان ذلك كذلك فبيّن أنّ الكميّة
التى توجد فى الهواء إذا كان من الماء ليس نموا لا للماء ولا للهواء لأنّ هذا
التغيّر الذى يوجد لها من النقصان إلى الزيادة ليس له موضوع واحد ، وقد
قلنا إنّ النمو له موضوع واحد . فإنْ قال قائل إنّ الجسم المشترك للماء وللهواء
هو الموضوع لهذا النمو انفسد عليه أن يكون هذا نموا بالأصل الثانى وهو أنّ
النمو إنّما يكون بورود شئ من خارج . فهذا مقدار الشكوك التى أتى بها
فيما منه ينمو النامى وكيف ينمو .

[Page 40] [34] وهنا أيضا شكّ آخر فى النّامى إذا سلّمنا أنّه شئ بالفعل وهو هل النامى
هو الشئ الوارد أم الشئ الذى يُرِد عليه . مثال ذلك أنّ الساق إذا نمت
بالغذاء هل الغذاء هو النامى أم الساق أم كلاهما ، وهذا الشكّ ينحلّ بقرب .
إنّ الجوهر من أحدهما يثبت ويبقى وهو الساق ، والآخر لا يثبت بل يستحيل
وهو الغذاء ، فإنّ النمو إنّما ينسب للباقى لا للممستحيل . مثال ذلك أنّ
الشراب الذى فى الدنّ إذا صبّ فيه ماء ولم يغيّر فعله قلنا فيه إنّه نمو .
وكذلك نقول فيه دائماً ما دام يفعل فعل الشراب ولا نقول ذلك فى الماء الذى
نصبّه فيه لأنّه يستحيل . وكذلك متى استحال شئ عن شئ استحالة
فأبطل جوهره لم تُنْسَب الاستحالة إلى ذلك الشئ الذى بطل وجوده . وإنّما
يُنْسَب إلى الشئ الذى بقي موجودا . مثال ذلك أنّ الغذاء الحارّ إذا ورد
البدن استحال منه إلى حرارة وبطل جوهر الغذاء . وبحقّ ما يُنسَب إلى
الاستحالة فى مثل هذا والنمو إلى الشئ الباقى بالفعل لأنّ مبدأ التحريك
إنّما هو فى المستحيل الثابت وفى النامى

[Page 41]

الفصل الثالث

[35] قال : وإذ قد بلغنا من التشكيك فى أمر النمو ما فيه كفاية فقد ينبغى أن
نلتمس حلّ ذلك بعد أن نتحفّظ بالأوائل الموجودة للنامى وهي كما قلنا ثلاثة :
أحدها أنّه ينمو وينقص فى كلّ نقطة محسوسة منه . والثانى أنّه ينمو من
شئ خارج ويضمحلّ بما ينحلّ منه . والثالث أنّ فيه شيئا ثابتا بالفعل لهذه
الحركة ، وأن نتحفّظ أيضا من أن نأتي فى ذلك بأمر من الأمور المستحيلة مثال
أن نجوز وجود الخلاء لضرورة النمو أو نجوز وجود جسمين فى جسم واحد .
وأوّل ما ينبغى أن يعلم من أمر النمو أنّه إنّما يوجد أوّلاَ للأجسام المتشابهة
الأجزاء وأنّه إنّما يوجد للآلية بتوسّط المتشابهة . وذلك أمر ظاهر بنفسه . فإنّ
اليد إنّما نقول فيها إنّها نمت إذا نما اللحم منها والعَظم وسائر المتشابهة التى
تركّبت منها . قال : ولمّا كان كلّ واحد من الأعضاء المتشابهة مركّبا من مادّة
وصورة على ما عليه الأمر فى جميع الأجسام الطبيعية ، وكان يجب فى
الشئ النامى أن يكون ثابتا ، إذ كان ذلك أحد الأوائل الموجودة له وكانت
المادّة سائلة والصورة ثابتة ، فقولنا إنّ الشئ ينمو فى كلّ جزء منه إنّما
نذهب فيه إلى الشئ الذى يتنزّل منه منزلة الصورة لا إلى الشئ الذى يتنزّل
منه منزلة الهيولى. وذلك أنّ الهيولى غير ثابتة والنامى ينبغى أن يكون ثابتا .

[Page 42] [36] وإنّما يتصوّر حال الصورة فى ذلك مع الهيولى ، أعنى فى ثبوت الصورة
وتبدّل الهيولى ، منزلة المكيال مع الشئ الذى يكال به . فإنّ المكيال هو واحد
بعينه والشئ الذى يكال به ، بمنزلة الحنطة والشعير هو شئ واحد بعد آخر ،
ولو تصوّرْتَ مكيالا يعظم حينا لما يدخل فيه ويصغر حافظا لشكله ، لكنت قد
تصوّرْتَ حال الصورة فى نموها مع الهيولى وتَصَوَّرُ الأمرين جميعا إذا تَخَيَّلتَ
شعبا من جلد مرّة يجرى فيه ماء قليلاً فينقص ومرّة يجرى فيه ماء كثيراً
فيعظم ، وهو فى كلا الأمرين حافظ لشكله . وعلى هذا ينبغى أن يتصوّر النمو
فى هيولى اللحم والعظم . قال : وعلى هذا النحو لا يلزم أن تكون الزيادة
شائعة فى جميع أجزاء المادّة ، إذ كان بعضها يذهب وبعضها يدخل من خارج ،
حتّى يُضطَرّ إلى القول بجواز مداخلة جسم جسما أو القول بوجود الخلاء فى
الجسم النامى . فلو كانت المادّة هي بجملتها قابلة للزيادة للزم فى النمو إمّا أن
يداخل جسم جسما وإمّا أن يوجد خلاء .
[37] قال : والوقوف على أنّ النامي إنّما ينمو فى كلّ جزء من أجزاء الصورة
يكون أظهر فى الأعضاء الآلية ، إذ كانت الصورة فيها أظهر . مثال ذلك اليد
فإنّك إذا تأمّلتها تجدها قد نمت فى جميع أجزائها حافظة لشكلها الذى هى به
يد .

[Page 43] قال : ومن الدليل على أنّ الصورة أظهر فى الأعضاء الآلية منها فى المتشابهة
أنّ الميّت قد يقال إنّ له لحما وعظما أكثر ممّا يقال إنّ له يدا ورجلا . وإذا كان
هذا هكذا فيجب أن يكون أيّ جزء كان من اللحم من وجه ناميا ومن وجه غير
نام . أمّا مِن قِبَل الصورة فنام ، وأمّا من قبل الهيولى فغير نام . lb/> [38] ولمّا كان النامى إنّما يصير أعظم بورود الغذاء عليه من خارج وكان
الغذاء ليس هو بالفعل الشئ الذى يرد عليه ، أعنى ليس هو عظما بالفعل
ولا لحما وإنّما هو بالقوة ، فإذا تَغَيَّرَ صار عظما ولحما ،فقد يجب أن يكون
الغذاء من جهة شبيها ومن جهة غير شبيه . فهذا معنى ما يقوله فى حلّ هذا
الشكّ اللازم فى النمو وإعطاء الجهة التى يكون بها النمو . والإسكندر المفسّر
لهذا الكتاب يقول إنّ ما قيل من ذلك إنّما قيل على جهة الإقناع وسكون
النفس إليه ، فإنّ المادّة ليس تذهب كلّها ولا تتحلّل بأسرها فى النامى ، بل
فيها شئ يبقى ثابتا وإلاّ كانت الصورة يمكن أن تفارق . وإذا كانت المادّة
فيها جزء ثابت فذلك الجزء نام ضرورة . فأمّا كيف تنمو المادّة فذلك يكون
بجهة الإختلاط وذلك أن من شأن الجسم النامى إذا ذهب منه جزء أن ينقص
فى جميع أجزائه بمنزلة ما يعرض عند إخراج الدم من البدن أعنى أنّه ينقص
الدم فى جميع أجزائه بنقصان جزء منه وكذلك يعرض فيه عند الزيادة .

[Page 44] قال : ولذلك وجب أن يكون فى الأعضاء الناشئة رطوبة مبثوثة يختلط بها
الغذاء الوارد عليها إذا استحال إلى طبيعة تلك الرطوبة . فينمو شكل العضو
بنمو تلك الرطوبة فى جميع أجزائها ، وينقص بنقصانها على أنّ الطبيعة هي
الحافظة لشكل ذلك العضو فى وقت نموه عن تلك الرطوبة وتنقّصه عن تنقّص
تلك الرطوبة . هذا هو معنى ما قاله فى هذا المعنى وإنْ لم تكن ألفاظه
بعينها . وعلى هذا فتكون الجهة البرهانية التى ينحلّ بها الشكّ المتقدّم إنّما هي
جهة الاختلاط الذى يوجد لبعض الأجسام . وهذا إنْ كان حقّا فى نفسه فكيف
يُظنّ بمن هو المفيد لما قيل من الصواب فى هذه الأشياء وما يقال إلى غابر
الدهر أنّه ذهب عليه هذا فى هذا الموضع أن كان حقّا فى نفسه أو كيف يُظَنّ به
أنّه اكتفى فى هذا المعنى بأمر مقنع مع قصده تتميم ما نقص للقدماء فى هذه
الأشياء ؟ فقد ينبغى أن ننظر نحن فى ذلك فنقول إنّ قول القائل إنّ النمو إنّما
يكون فى الصورة هو بيّن أنّه ليس يعنى به أنّ الصورة تنمو بما هي صورة ،
فإنّ النمو فى باب الكمّ والصورة فى باب الكيف .

[Page 45] وإذا كان ذلك كذلك وكان النمو إنّما هو فى الباب الكمّ ، فإنّما أراد بذلك أنّ
الشئ لا ينمو فى الكمّ أىْ فى جميع أجزائه من جهة ما هو كمّ بل من جهة ما
هو كمّ ذو صورة . وأعنى بقولى كمّ ذو صورة أيّ كمّ صورته صورة النامى لا
صورة المُنْمى . وإذا كان ذلك كذلك فالكمّ الذى يفعل النمو إنّما هو كمّ بالقوة .
ولذلك ليس يلزم إذا خالط النامي أن يكون يداخل كمّه كمّ النامى كما يلزم
ذلك إذا وضعنا كمّ المنمى كمّا بالفعل ، لأنّ الكمّ الذى بالفعل إنّما يوجد
للشئ من جهة صورته لا من جهة صورة غيره . والغذاء إنّما يوجد له الزيادة
فى كميّة المغتذى من جهة ما يوجد له صورة المغتذى . وأمّا الشكّ الذى هو
التداخل فإنّما كان يلزم لو كانت كميّة الغذاء إنّما تزيد فى كميّة المغتذى من
جهة ما صورته صورة المغتذى ، ولو كان هذا هكذا للزم أن توجد الزيادة فى
النامى من قبل شئ هو ذو كمّ بالفعل فكان يلزم الشكّ المتقدّم . فهذا هو
الفرق بين النمو الذى من قبل المادّة بما هي مادّة ، وبين النمو الذى لها من جهة
الصورة .

[Page 46] وإذا كان نمو الشئ فى جميع أجزائه لا من جهة ما هو كمّ بل من جهة ما هو
كمّ ذو صورة أعنى إذا كان نمو الشئ فى جميع أجزائه من جهة ما الأجزاء ذات
صورة فبيّن أنّه ليس يلزم عن نموه فى جميع أجزائه من هذه الجهة أن يداخل
جسم جسما لأنّ النمو يكون من قبل الصورة فى الشئ النامى . وإنّما كان
يلزم ذلك لو كان نموه فى أجزائه من قبل الهيولى فقط أىْ من جهة ما هي
أجزاء ، لأنّه لو كان ذلك للزم أحد أمرين إمّا أن يكون النمو تراكما وإمّا أن
تتداخل الأجزاء الواردة الأجزاء القابلة . والأشياء المختلطة إنّما عرض لها أن
تتدافع أجزاؤها بالسواء عن الجزء الداخل عليها وأن تتّحد بها من جهة ما
أجزاؤها ذات كيفية محدودة وهي الرطوبة لا من جهة ما هي ذات كميّه فقط .
ولو كان ذلك يوجد لها من جهة ما هي كميّة لأمكن أن تختلط جميع الأشياء .
فالزيادة التى توجد للأشياء المختلطة فى جميع الأجزاء إنّما هي من قبل
لصورة . فأمّا أنّ النمو إنّما هو للكميّة بما هي ذات صورة فهو يستدلّ عليه بأنّ
النامى يجب أن يكون هو الشئ الثابت ، والأجزاء لا تثبت إلاّ من جهة ما هي
ذات كيفية لا من جهة ما هي أجزاء ، إذ يظهر من أمرها من جهة أنّها أجزاء
أنهّا فى تغيّر دائم . فعلى هذا ينبغى أن يفهم قول الحكيم ، لا على ما فهمه
منه الإسكندر لأنّه أراد أن يبيّن أنّ النمو فى الصورة لا فى المادّة من أجل أنّ
المادّة متحرّكة والصورة ثابتة فإنّ هذا ينفسد كما قال بأنّه يوجد فى الأعضاء
مادّة ثابتة فيجب أن تكون نامية . ولم يرد الحكيم أنّ النمو فى الصورة دون
المادّة ولا فى المادّة دون الصورة .

[Page 47] وإنّما أراد أنّ النمو فى جميع أجزاء النامى من جهة الصورة لا من جهة المادّة ،
وهي الجهة التى هي بها أجزاء ، فإنّ الجسم إنّما هو ذو أجزاء من قبل المادّة ،
والأجزاء سيّالة من جهة ما هي أجزاء ، ثابتة من جهة ما هي ذات صورة . ولمّا
كان النمو يوجد للنامى من جهة ماهو ثابت كان ذلك للأجزاء من جهة ما هي
ذات صورة لا من جهة ماهي أجزاء . وأنت ترى أنّ بين هذا الفهم والفهم الأوّل
من أقاويل الحكيم بونا بعيدا . ويشبه عندى أن يكون الذى يحلّ الشكّ بالجهة
التى حلّه بها الإسكندر أن يكون ناقلا للشكّ لا حالاّ له لأنّه قد يبقى أن يقال
فكيف ينمو العَظْم بتلك الرطوبة فى جميع أجزائه وليس من شأنه أن يختلط
بها. وكذلك فى جميع الأعضاء الجامدة فإنّ المختلط هو السيّال . ولذلك هو
الأوْلى إمّا أن يكتفى فى جواب هذا الشكّ بما يجاوب به الحكيم ، وإمّا أن
يلتمس شيئا يجرى من جوابه مجرى التتميم له . فإنّه يظهر أنّ النمو يحتاج
إلى الإختلاط كما يقوله هو بعد هذا ، وإلاّ كان كونا لأجزاء اللحم والعظم
على انفرادها عندما ينقلب الغذاء عظما ولحما فى العظم واللحم . فهذا
الإختلاط إنّما هو ضروري من هذه الجهة ، لا من جهة وجود النمو فى جميع
الأجزاء من غير تداخل ، فإنّه إنْ فرضنا ذلك ، لزم ألاّ تكون النامية إلاّ
المختلطة فكيف نقول فى نمو الشكل وبالجملة فى نمو العضو الآلي ؟ أو نقول
إنّ العضو فيه قوة ممدّدة بالطبع إلى جميع الأقطار ،

[Page 48] فيعرض له عن ذلك تخلخل ما فتتشرّب تلك الرطوبة الغذائية فى جميع
أجزائه ، أعنى فى جميع الثقب الصغار التى لا يمكن أن يوجد فى اللحم ثقب
أصغر منها عندما تتمدّد تلك الثقب ، فإذا امتلأت من تلك الرطوبة استحالت
تلك الرطوبة أجزاء لحمية واتّحدت بالأجزاء اللحمية التى بين تلك الثقب وهي
الأجزاء التى لا يمكن أن توجد أجزاء لحمية أصغر منها . وحدثت أيضا فى تلك
الأجزاء اللحمية الحادثة ثقب لا يمكن أن يوجد أصغر منها . فإذا تمدّد العضو
أيضا مرّة ثانية تخلخلت جميع تلك ىالثقب فامتلأت بالرطوبة الغذائية وذلك
بالقوة الجاذبة وتشرّب العضو بها واستنقع كما يستنقع الفتيل بالزيت وأسفنج
البحر بالماء . فإذا فعلت الحرارة فيها وعقّدتها عادت لحما فى اللحم وعظما
فى العظم ، ثمّ تخلخل مرّة ثانية هكذا وهكذا حتّى يتمّ نمو العضو . فإذاً النمو
إنّما يكون للنامى من جهة هذه القوة التى هو بها ذو صورة . وهذه القوة هي
الصورة التى أراد أرسطو بقوله إنّ النامى إنّما ينمو بصورته لا بمادّته أىْ من
قبل صورته لا من قبل المادّة . ولولا وجود هذه القوة فى النامى لكان النمو
فى جميع الأجزاء المحسوسة غير ممكن إلاّ لو أمكن أن يداخل جسم جسما .
فإذاً السبب الذى أعطاه أرسطو فى ذلك هو عامٌ فى جميع الأشياء المختلطة
وغير المختلطة والسبب الذى أتى به الإسكندر فى ذلك هو خاصٌ بالمختلطة.
ولذلك كان حلّ ذلك الشكّ من جهة حلاّ بأمر عارض فلنرجع إلى حيث كنّا .

[Page 49] [39] قال : وممّا يشكّ أنّ النمو لمّا كان من الشئ الذى هو بالقوة الشئ النامى
وهو بالفعل شئ آخر ، مثال ذلك أنّ الغذاء هو بالقوة لحم وهو بالفعل خبز
وغير ذلك ، كان واجبا فيه ألاّ يكون بالفعل جزءاً من النامى ، حتّى تفسد
الصورة الموجودة فيه بالفعل وتتكوّن فيه صورة النامى . مثل أن تفسد صورة
الخبز وتتكوّن صورة اللحم . ولمّا كان الأمر هكذا فى النمو فقد يقال إنْ كان
هذا الجزء المتكوّن منفصلا من النامى ومميَّزا عنه عندما يتكوّن ، فهذا كون فى
الجوهر لا تغيّر فى النمو . وإذا لم يكن النمو كونا فعلى أيّ حهة يمكن أن يكون
النمو؟ وهو يجيب عن هذا بأنّ النمو إنّما يكون بالإختلاط الذى ينقلب فيه
الوارد على الشئ إلى طبيعة الشئ الذى ورد عليه . وهذا هو الفرق بين هذا
الاختلاط والاختلاط الذى يكون عنه كون المركّبات من الأسطقسّات على ما
سيأتى بعد . ومثال هذا الاختلاط إذا خلطت ماء بالشراب أو برطوبة فقهر
الشراب طبيعة الماء فعاد الكلّ شرابا وتزيّد . وكذلك إذا ورد الغذاء على
الرطوبة أحالته إلى طبيعتها مع أنّها تزيّد به كميّتها فكون الغذاء لحما بالفعل
بعد أن كان لحما بالقوة إنّما يكون بعد الاختلاط ، وهذا الفرق بينه وبين التكوّن .
ومثال ذلك أنّك إذا أوقدت نارا على انفرادها كان ذلك تكوّنا ، وإذا زدت نارا
متكوّنة إضراما بأن تضع عليها حطبا حتّى يعظم ، كان ذلك شبيها بالنمو .

[Page 50] [40] وينبغى أن تعلم أنّه كما أنّ التكوّن المطلق ليس يوجد للجسم المطلق وإلاّ
لزم أن يكون التكوّن من غير موجود أصلاً ، وإنّما يكون تكوّن جسم من جسم
آخر غيره ، مثال ذلك أنّه ليس يحدث حيوان على الإطلاق ليس هو إنسانا ولا
واحدا من الحيوانات الجزئية ، كذلك الأمر فى الكميّة التى تحدث فى النامى
ليست كمّية مطلقة فتكون من غير كميّة وإنّما هي كميّة ما حادثة عن كميّة
أخرى وغيرها . ولذلك كان واجبا أن يكون الحادث فى النامى الذى هو لحم أو
عظم أو عضو آلي مركّب من هذه إنّما يحدث بأن يكون الغذاء الوارد عليه كمّا
بالفعل لا كمّ لحم ولا عظم بالفعل بل بالقوة .
[41] والفرق بين النمو والاغتذاء إنّما هو من جهة هذه الكميّة الحادثة . وذلك أنّه
متى كان الحادث فى الحسّ إنّما هو لحم فقط قيل فيه إنّه اغتذاء ، ومتى كان
الحادث لحما ذا كميّة محسوسة قيل فيه إنّه نمو . ولذلك أمكن فى الشئ أن
يغتذي إلى آخر العمر مع أنّه فى تنقّص ولم يمكن فيه النمو فى جميع العمر.
فالغذاء إذاً والنمو أمّا فى الموضوع فشئ واحد ، وأمّا بالجهة فمختلفان ،
وذلك أنّه متى كان الغذاء الوارد عليه هو بالقوة لحما ذا كميّة محسوسة فهو
من هذه الجهة نمو ، ومتى كان إنّما هو بالقوة لحما فقط غير محسوس الكميّة
كأنّك قلت صورة مجرّدة فقط ، وإنْ كان لا بدّ هنالك من كمّية لكنّها غير
محسوسة ، كان من هذه الجهة اغتذاء . فمتى كان الغذاء الوارد على النامى
ليس بالقوة إلاّ صورة فقط غير ذات كميّة بالفعل بل بالقوة لم تصر بذلك
صورة الشئ النامى أعظم ، ومتى كان بالقوة صورة ذات كميّة كان نموا .
فهذا هو الفرق بين النمو والإغتذاء .

[Page 51] [42] وأمّا الاضمحلال فإنّما يكون إذا لم تَقْوَ صورة النامى أن تقلب جميع أجزاء
الغذاء إلى جوهرها وتحيله إلى ذاتها بل تحيل الأغذية الرطوبة الطبيعية التى
فى الأعضاء إلى جوهرها حتّى تنقّص كميّة تلك الرطوبة الطبيعية
بعكس الأمر فى النمو ، أعنى فى إحالة تلك الرطوبة الأغذية . وهذا الضعف
يعرض لها بالطبع شيئا شيئا وقليلا قليلا مع طول العمر ، أعنى أن تضعف
تلك الرطوبة عن إحالة جميع أجزاء الأغذية الواردة عليها حتّى يحيل كثيرة
من أجزائها الأغذية فيقع الاضمحلال فى الكمّ والصورة باقية بعينها كما كان
النمو والصورة باقية بعينها . ومثال ذلك إذا خلطت ماء بشراب شيئا شيئا
حتّى يجعل الشراب مائياً فإنّه حينئذ يقع اضمحلال كثير من أجزاء تلك
الرطوبات التى فى الأبدان ، أعنى إذا انقلبت إلى طبيعة كثير من أجزاء
الأغذية وتخرج عن البدن كما ينقلب الشراب فى هذا المثال إلى طبيعة الماء .
فقد تبيّن من هذا القول كيف يكون النمو وفيماذا يكون وبماذا يكون ،
وانحلّت بذلك جميع الشكوك الواردة عليه وما الفرق بين الاغتذاء والنمو وكيف
يقع الاضمحلال .

[Page 52]

الجملة السادسة

و هذه الجملة فيها فصلان:
الفصل الأوّل: يخبر فيه بالضرورة الداعية في هذا العلم إلى التكلّم فى
المماسّة و الفعل و الانفعال و المخالطة قبل التكلّم في الكون .
الفصل الثاني: يتكلّم فيه فى المماسّة .
الفصل الأوّل

[43] قال: ولمّا كان القصد الأوّل فى هذا الكتاب ان نفحص عن الأجسام
الاربعة التى تسمّى أسطقسّات هل هي أسطقسّات أم لا ، و إنْ كانت
أسطقسّات فهل هي غير متكوّنة بعضها من بعض حتّى لا يكون لها أوّل أقدم
منها ، أم هي متكوّنة بعضها من بعض ، و إنْ كانت متكوّنة بعضها من بعض
فهل فيها أوّل لا يتكوّن من شىء ، أم كلّ واحد منها متكوّن عن صاحبه ،
كان واجبا أن نقدّم قبل هذه المفاحص الأشياء التى تقال على غير تحصيل من
الأمور المضطرّة إليها عند جميع من قال بالكون والاستحالة وهي المماسّة والفعل .
والانفعال والمخالطة . فإنّ القدماء قد اضطرّهم طبيعة الأمر إلى التكلّم فى هذه
المعانى . وذلك أنّهم صنفان . إمّا قائل بأنّ الأسطقسّات أكثر من واحد وإمّا
قائل إنّ الأسطقسّ واحد .

[Page 53] فأمّا من قال بأنّ الأسطقسّات أكثر من واحد ، كانت هذه الأجسام الأربعة هي
التى منها تتولّد الأشياء عندهم مثل ما يقول ابن دقليس ، أو كانت هذه
الأربعة إنّما تتولّد عن الأسطقسات عندهم مثل قول أنكساغورش وديمقراطيس
اللذان يجعلان هذه الأربعة مركّبة من المتشابهة الأجزاء أو من الأجزاء الغير
منقسمة ، وقد يقولون بالاجتماع والافتراق ، والاجتماع والافتراق هو بوجه ما
مخالطة وإنْ كان ما يقولون من ذلك غير محصّل ، ومَنْ قال بالمخالطة لزمه
القول بالفعل والانفعال والمماسّة . وأمّا من قال بأنّ الأسطقسّ واحد فإنّه وإنْ لم
يلزمه القول بالمخالطة فإنّه يلزمه القول بالفعل والانفعال . ولذلك أصاب
ديوجانيس إذ قال إنّه لو لم يكن هاهنا موضوع واحد لمّا أمكن أن ينفعل شئ
عن شئ . وذلك أنّه ليس فى طبيعة البارد أن ينقلب حارّا ولا فى طبيعة
الحارّ أن ينقلب باردا ، بل واجب أن يكون موضوع يقبل الأمرين . فلأنّ كلّ من
جعل الأسطقسّ واحدا جعل مضادّة مع الواحد قد يلزمه أن يكون الفعل من قبل
المضادّة والانفعال من قبل الواحد . وإذا كان هنالك فعل فهنالك مماسّة . فلهذا
ما يجب أن نلخّص القول فى هذه الثلاثة قبل القول فى صفة الكون . ونبدأ
أوّلاً بالمتقدم . فالمتقّدم منها بالطبع وهي التماسّ ثمّ الانفعال ثمّ المخالطة ، لأنّه
ما انفعل أو فعل فقد مسّ وما خالط فقد انفعل وقد مسّ .

[Page 54]

الفصل الثانى

[44] قال : وكما أنّ كلّ واحد من سائر الأسماء يقال على انحاء فمنها
أسماء مشتركة ، ومنها ما يقال بتقديم وتأخير ، كذلك الأمر فى اسم التماسّ .
ولكن الذى يقال منه بغير استعارة ولا بمجاز وبأمر عامّ إنّما هو فى كلّ ما كان
له وضع ، والوضع إنّما يكون لِما له مكان . ولذلك قد يقال فى الأعظام
التعاليمية بوجه ما إنّها تماسّ بعضها بعضا . وذلك أنّ الأجسام ليس يمكن أن
تتوهّم مجرّدة من المكان على ما شأن صاحب علم التعاليم أن يجرّدها من سائر
الأعراض ، فإنّ الجسم إنّما هو فى مكان بأبعاده لا بغير ذلك من أعراضه .
المكان أمر لازم للأجسام التعاليمية ، سواء كانت مفارقة على ما يراه قوم
بالوجود والقول ، أو كانت مفارقة بالقول فقط . وهذا التماسّ المقول فى
الأعظام هو مقول بمعنى متأخّر عن التماسّ الحقيقي الذى يوجد فى الأمور
الطبيعية . وذلك أنّه قد قيل فى السماع فى حدّ المتماسّين أنّهما الجسمان
اللذان نهاياتهما معا . ولمّا كان معا هو وضع ما للأجسام التى هي معا ومن
ضرورة الوضع المكان ، كان المتماسّان ضرورة فى مكان . ولمّا كانت أنواع
المكان الأول هي الفوق والأسفل ، فالأشياء المتماسّة هي ضرورة إمّا فوق وإمّا
أسفل . ولما كان كلّ ما هو أسفل أو فوق ثقيلا أو خفيفا . فالأشياء المتماسّة
هي ضرورة ما كان لها ثقل أو خفّة إمّا لكليهما وإمّا لواحد منهما .

[Page 55] وبيّن أنّ الأجسام التى بهذه الصفة فاعلة بعضها فى بعض ومنفعلة . وإذا كان
هذا هكذا فالمتماسّان بالحقيقة أو التى شأنها التماسّ هي الأجسام التى نهاياتها
معا وهي فاعلة بعضها فى بعض ومنفعلة بعضها عن بعض .
[45] والمحرّك قد يظنّ به أنّه مساو للفاعل والمتحرّك للمنفعل . قالوا : وذلك أنّه لمّا
كان المحرّك يوجد على صنفين ، صنف يحرّك بأن يتحرّك وصنف يحرّك بأن لا
يتحرّك ، والفاعل أيضا يوجد بهاتين الصفتين ، وجب أن يكون كلّ محرّك فاعلا
وكلّ فاعل محرّكا . وليس الأمر كذلك بل المحرّك أعمّ من الفاعل . وذلك أنّ
الفاعل هو ما فعل أثرا أو كيفية أثرية أعنى استحالة . وذلك واجب من قبل أنّ
الفاعل مقابل للمنفعل ، والمنفعل إنّما هو فى الاستحالة . وأمّا كلّ محرّك فليس
يلزم فيه أن يفعل استحالة . وإذا كان التماسّ بالحقيقة إنّما هو فى الفاعلة
والمنفعلة فبعض المتحرّكات يماسّ وبعضها لا يماسّ . إلاّ أنّ التماسّ أيضا فى
الأمور الطبيعية قد يقال بعموم وخصوص . فإذا قيل بعموم قيل على الجسمين
اللذين نهاياتهما معا ، واحدهما شأنه التحريك والآخر شأنه التحرّك أيّ نوع من
التحريك كان . وإذا قيل بخصوص قيل على ما شأن أحدهما الفعل وشأن الآخر
الانفعال .

[Page 56] وهذه أيضا تقال بعموم وبخصوص . فإذا قيلت بعموم قيلت على ما شأن
حدهما أن يفعل والآخر أن ينفعل ، وإذا قيلت بخصوص قيلت على كلّ ما
يفعل كلّ واحد منهما فى صاحبه وينفعل عنه الآخر . وهذا هو التماسّ بالمعنى
المتقدّم على جميعها . وهو ظاهر فى الأشياء التى لدينا . ولذلك قد يمكن أن
يقال إنّ كلّ ما يماسّ من الأجسام الطبيعية فهذه حالها ، وليس كذلك . فإنّ
الجسم السماوي يماسّ ما لدينا بأن يفعل فيما لدينا ولا ينفعل . وإذا كان الأمر
هكذا فإنّما نقول فى الجسم السماوي إنّه يماسّ بالمعنى الأوّل وهو أن يكون
أحدهما شأنه الفعل والآخر شأنه الأنفعال لا الفعل . لكن لمّا كانت الأشياء
المتجانسة أعنى التى موضوعها واحد لا يفعل إلاّ بأن ينفعل ، ظنّ بجميع
الأشياء أنّها هكذا . فقد بان من هذا القول أنّ التماسّ على الحقيقة إنّما هو فى
الاشياء التي ينفعل كلّ واحد منهما عن صاحبه ، وأنّه إنْ كان هاهنا شئ
فاعل وهو غير منفعل فالمنفعل ممسوس ، والفاعل لا يقال فيه ماسّ إلاّ بضرب
من الاستعارة مثل قول القائل قد مسّنى الضّر . وذلك أنّ التماسّ لمّا كان من
الأمور المضافة ، وجب أن يدلّ بالحقيقة على أنّ كلّ واحد منهما ماسّ
وممسوس . فهذا هو معنى المسّ فى الأمور الطبيعية .

[Page 57]

الجملة السابعة

وهذه الجملة تنقسم إلى قسمين :
الأوّل : يخبر فيه ما هي الأشياء الفاعلة والمنفعلة وفى أيّ جنس من
الموجودات توجد .
والثانى : يخبر فيه كيف يكون الفعل والانفعال .

[Page 57]

القسم الأوّل

[46] قال : إنّ الذى أخذناه عن القدماء فى تعريف طبيعة الأشياء الفاعلة
والمنفعلة قولان متضادّان . فأمّا القول الواحد وهو الذى قال به أكثرهم فهو أنّ
الأشياء الفاعلة والمنفعلة هي الأشياء المتضادّة المختلفة لا الأشياء الشبيهة .
قالوا لأنّ الأشياء إمّا أن تكون متضادّة أو متشابهة ، فأمّا الأشياء المتشابهة
فإنّه ليس يمكن أن يفعل بعضها فى بعض ، ولا أن ينفعل بعضها عن بعض
لأنّه ليس أحدهما أوْلى أن يفعل فى صاحبه من الآخر ولا أحدهما أولى أن
ينفعل من الآخر . قالوا : فإنْ اعترضنا معترض وقال إنّا نجد النار الكبيرة
تطفئ الصغيرة وهما متشابهان فقد فعل أحدهما فى الآخر ، قلنا له إنّ ذلك
من قبل المضادّ الموجود لها فى الكمّ ، فإنّ الكبير ضدّ الصغير .

[Page 58] [47] وأمّا القول الثانى الذى هو نقيض هذا فقد قال به ديمقراطيس وحده وهو
أنّ الأشياء الفاعلة والمنفعلة هي شبيهة . قال : والدليل على ذلك أنّه لا يجوز
فى الأشياء المختلفة المتضادّة أن ينفعل بعضها عن بعض فإنّ الضدّ لا يقبل
ضدّه . مثال ذلك لا تقبل الحرارة البرودة ولا البرودة الحرارة . وإذا لم ينفعل
الأضداد بعضها عن بعض فالأشياء الفاعلة والمنفعلة هي المتشابهة المتّفقة .
[48] قال : فهذا ما أخذناه عن القدماء من هذين الرأيين المتناقضين والدليلين
اللذين يتعونوا بهما . والسبب فى هذا التناقض أنّهم لم يلحظوا الأمر من
جميع جهاته بل لحظوا هؤلاء الأمر من جهة وهولاء من جهة . ولذلك قول كلّ
واحد منهما صادق بالجزء وكاذب بالجزء . وذلك أنّه إذا تُؤَمِّل الأمر بالأقاويل
البرهانية وُجِد أنّ الشئ يلزم أن يفعل فى الشئ من جهة ما هو ضدّ وأن
ينفعل عنه الشئ من جهة ما هو شبيه . وذلك أنّه ليس يمكن أن يفعل الشئ
فى الشئ من جهة ما هو شبيه فإنّه كما قال القدماء ليس أحدهما أولى بأن
يفعل فى صاحبه من الآخر . ولو وجد الشبيه يفعل فى شبيهه لكان الشئ
يفعل فى نفسه . ولو كان ذلك كذلك لم يكن هاهنا شئ غير فاسد ولا
متحرّك لأنّ كلّ شئ يحرّك ذاته ويُفسِد ذاته . وإذا لم يفعل الشئ بما هو
شبيه فهو ضرورة يفعل بما هو مخالف ،

[Page 59] [49] وكذلك يظهر أنّه لا ينفعل الشئ من جهة ما هو مخالف وأنّه لو انفعلت
الأشياء المختلفة بعضها من بعض لا نفعل كلّ شئ وهو ظاهر أنّه لا
ينفعل كلّ شئ عن كلّ شئ . فإنّه لا يمكن أن ينفعل البياض عن الخطّ ولا
الخطّ عن البياض إلاّ بالعرض ، مثل أن يتّفق أن يكون الخط أسود . وإذا كان
ذلك كذلك فالشئ إنّما ينفعل بما هو شبيه . فقد تبيّن لنا من هذا أنّ الفاعل
والمنفعل هو من جهة شبيه ومن جهة مخالف .
[50] وإذا تأمّلنا الأشياء الفاعلة والمنفعلة ظهر لنا أنّها أضداد . فإنّه ليس
يخرج الشئ شيئا عن طبعه إلاّ إنْ يكون له ضدّا . ولذلك لم يكن أيّ شئ
اتّفق أن ينفعل عن أيّ شئ اتّفق . فإذا كانت الأشياء الفاعلة والمنفعلة هي
أضداد وكانت الأضداد متشابهة بالجنس إذ كانت واحدة به ومختلفة بالنوع ،
فواجب أن تكون الأشياء المنفعلة والفاعلة متشابهة بالجنس مختلفة بالنوع .
فأمّا أنّ الفاعلة والمنفعلة هي أضداد فذلك ظاهر بالقول كما تقدّم وبالاستقراء .

[Page 60] من جسم مضادّ له مثل تكوّن النار وذلك أنّ الجسم إنّما شأنه أن يقبل التأثير
عن الهواء وكذلك الطعم عن طعم مضادّ له ، واللون عن لون أيضا مضادّ له .
والسبب فى القبول هو الجنس المشترك لهما ، وفى الفعل هو الضدّية . وليس
الصدق موجودا فى هذه القضية المأخوذة هاهنا أعنى القائلة إنّ الأشياء الفاعلة
والمنفعلة هي أضداد ، بل وعكسها يظهر أيضا أنّه صادق . وذلك أنّه إذا وضعنا
أنّ الأضداد متّفقة بالجنس مختلفة بالنوع وأنّ المتّفقة بالجنس المختلفة بالنوع
فاعلة ومنفعلة يُنْتَج لنا من ذلك أنّ الأضداد وما بينها هي الفاعلة والمنفعلة .
وهذا البيان وإنْ كان لا يفيد بذاته تصديقا على الإطلاق إذ كان بيانا بالدور .
فقد يفيدنا كما يقول الإسكندر تصديقا ما .
[51] وكون الأضداد فاعلة منفعلة يظهر من الضديّة الموجودة في الأشياء هي
سبب كونها بالجملة وفسادها ولذلك كانت النار تسخّن والثلج يبرّد . وبالجملة
فلمّا كان الفاعل والمنفعل ضدّا من جهة وشبيها من جهة لزم ضرورة أن يكون
هذا يفعل وهذا ينفعل وإلاّ لم يكن هنالك كون ولا فساد .

[Page 61] [52] ولمّا لم يهتد القدماء لهذا المعنى بجملته كان ما اهتدى إليه أحد الفريقين
شبيها بما اهتدى إليه الفريق الآخر منه ، والذى غلّطهم أنّ الناس قد ينسبون
الفعل إلى موضوع الضدّ لا إلى ضدّ ، ولمّا كان الموضوع هو الشبيه ظنَّ هؤلاء من
هذه الجهة أنّ الفاعل شبيه ، وكذلك قد ينسبون الانفعال إلى الضدّ ويقولون
إنّ البارد يسخن ومن هذه الجهة ظنّ هؤلاء أنّ الإنفعال للأضداد .
[53] قال : وينبغى أن تعلم أنّ الفاعل أيضا ضربان كما أنّ المحرّك ضربان . وذلك
أنّه فى كلّ واحد منهما أوّل وأخير . وكما أنّ المحرّك الأوّل قد يمكن أن يكون غير
متحرّك بل قد تبيّن وجوب ذلك فى الأمور الطبيعيّة والمحرّك الأخير لا بدّ أن
يكون متحرّكا ، كذلك الفاعل الأوّل قد يجب أن يكون غير منفعل أصلا سواء
كان فى صناعة أو طبيعة . مثال ذلك أنّ الأبدان تنفعل عن صناعة الطبّ من
المرض إلى الصّحة وليست تنفعل صناعة الطبّ بهذا الانفعال ، إذ كان الطبّ
هو فاعلا أوّلا وأمّا الغذاء أو الدواء الذى به يفعل الطبّ الصحّة فى البدن فهو
ينفعل ويفعل .

[Page 62] والسبب فى ذلك هو الهيولى ، فإنّه أي ّ فاعل لم يكن هيولاه وهيولى المنفعل
واحدة بعينها ، فواجب ألاّ يكون ينفعل بذلك النوع الذى به يفعل . وأيّ فاعل
كانت هيولاه وهيولى المنفعل واحدة بعينها ، فواجب فيه أن ينفعل عن الذى
يفعل فيه ، وأعنى بالهيولى الواحدة التى هي قابلة للضدّين على مثال واحد
أعنى الهيولى التى تقبل الحارّ مثلما تقبل البارد ، فالصناعة لمّا كانت
هيولاها غير هيولى الصحّة لم تنفعل عن المرض . وذلك أنّ المرض هيولاه
الأخلاط الأربعة والطبّ هيولاه النفس .
[54] وإذا كان الفاعل الأوّل واجبا فيه ألاّ ينفعل ، فواجب أن يكون فى غير
هيولى المنفعل . وهكذا الأمر فى الفاعل الأوّل أعنى الجرم السماوي ، فإنّه
فى موضوع مغاير للموضوع الذى فيه الأمور المنفعلة . وإنْ وجد هنا فاعل هو
فى غير مادّة أصلاً فواجب فيه ألاّ ينفعل ولا شئ من ضروب الانفعال لا
بالذات ولا بالعرض إذ قد ظهر أنّ الهيولى هي سبب الانفعال . أمّا الانفعال
المتشابه فسببه الهيولى الواحدة . وأمّا الانفعال المتغاير فسببه تغاير الهيولى .
والسبب الفاعل يشبه بوجه ما السبب المحرّك ويغايره بوجه ما على ما قلناه .

[Page 63] [55] وأمّا السبب الفاعل فهو بما هو فاعل غير السبب الذى من أجله
يفعل الفاعل وهو الصورة . ولذلك إنْ قيل اسم السبب عليهما فباشتراك الاسم .
وذلك أنّ الفرق بين السبب الفاعل والسبب الصوري وإنْ كانا واحدا بالنوع ،
أنّ السبب الفاعل إذا حضر وجدت الصورة وحدثت فى المنفعل ، والصورة إذا
وجدت ليس يحدث عنها فى المنفعل شئ . وأمّا السبب الهيولاني فهو
يخالف هذين بأنّه القابل للصورة مثل قبول المادّة الأولى لصورة النار . فإنْ
كانت هاهنا صورة مفارقة كأنّك قلت الحرارة مفارقة ، وإنْ كان ليس يمكن
ذلك فى الحرارة بما هي حرارة ، فواجب أن تكون فاعلة غير منفعلة بضرب من
ضروب الانفعال وألاّ يكون لها سبب فاعل إلاّ باشتراك الاسم .

القسم الثانى

وهذا القسم فيه ثلاثة فصول :
الفصل الأوّل : يخبر فيه بمذاهب القدماء فى أسباب الفعل والانفعال وفيما
ينساب ذلك ويقايس بين مذاهبهم فى التغايير الطبيعية بحسب أصولهم .
الفصل الثانى : يردّ به على القائلين بالأجزاء التى لا تتجزّأ بحسب ما يحتاج
إليه فى هذا القول .
الفصل الثالث : يخبر فيه بالسبب الذى من جهته كان الفعل والانفعال يوجد
للأمور الطبيعية .

[Page 64]

الفصل الأوّل

[56] قال : إنّ بعض القدماء قالوا إنّ الانفعال إنّما يكون فى الأشياء الموجودة
من جهة أنّ فيها ثقبا ينفذ فيها الفاعل الأخير . قالوا : وبهذا الوجه كان
انفعال سائر الحواسّ . وذلك أنّا إنّما بأن ينفذ البصر فى الهواء وفى الماء
وفى الأجرام المشفّة وذلك الثقب الموجودة فيها . وهذه الثقب لا ترى
لصغرها وهي متراضة منظومة معتدلة ، وهي أكثر فيما كان من الأجسام أكثر
شفيفا . فقوم ذهبوا هذا المذهب فى إعطاء سبب بعض الأشياء التى تظهر فى
الأمور الطبيعية . وذلك أنّ الثقب عندهم هي سبب الانفعال وسبب المخالطة
وسبب النمو ، وممّن ذهب هذا المذهب ابن دقليس . وهؤلاء لم يسلكوا سبيلا
واحدا فى إعطاء أسباب جميع ما يظهر فى الموجودات الطبيعية من سائر
التغايير مثل الكون والفساد والاستحالة ، لأنّ الثقب ليس يمكن أن تكون سببا
لهذين التغيّرين أعنى الكون والاستحالة .

[Page 65] [57] أمّا الذين سلكوا فى جميع ذلك سبيلا واحدا وراموا إعطاء ذلك من جهة
واحدة فَهُمْ آل لوقيس وآل ديمقراطيس القائلون بالأجزاء التى لا تتجزّأ . فإنّ
هؤلاء جعلوا نظرهم من الأمور المحسوسة وهي المبادئ التى هي على المجرى
الطبيعي للناظرين وراموا أن يعطوا أسباب ما يظهر فيها من قبل اعتقادهم
فى الأسطقسّات أنّها أجسام غير منقسمة . واطردّ لهم ذلك فى جميع الأشياء لو
كان الأمر على ما ظنّوا فى الأسطقسّات . وأمّا قوم آخر وهُمْ آل برمنيدس وآل
ماليسيس فجحدوا الأمور المحسوسة وجعلوا المبادئ مما خيّل لهم . فقالوا إنّ
الموجود كلّه واحد وإنّه غير متحرّك .
[58] والقول الذى حرّكهم إلى هذا الإعتقاد هو هكذا : قالوا إنْ كان الموجود
متحرّكا أو كثيرا ، فهنا ضرورة خلاء موجود . وذلك أنّ المتحرّك ليس يمكن فيه
التغيّر ما لم يكن له خلاء يتغيّر فيه . وكذلك أيضا الكثرة لا يمكن أن تكون
موجودة ما لم يكن خلاء . قالوا : وسواء كانت الأشياء الكثيرة منفصلة بعضها
من بعض أو متماسّة أو كثيرة بقبول الانقسام فإنّ كلّ واحد من هذه يلزم وجود
الخلاء . وذلك أنّ المنفصلة إنّما انفصلت بالخلاء الذى بينهما . وكذلك المماسّة إنّما
لم تتّصل لموضع الخلاء الذى بينهما .

[Page 66] قالوا : وأمّا المتّصل فليس يمكن أن ينقسم حتّى يكون كثيرا ما لم يكن كلّه
خلاء ، وذلك أنّ المتّصل إنْ كان منقسما فهو منقسم بكليّته . وذلك أنّ القول بأنّه
منقسم فى البعض وغير منقسم فى البعض خارج عن القياس . فإنّه لا سبيل
أن يقال أيّ جزء هو المنقسم وأيّ جزء هو غير منقسم ولا أن يقال إنّما صار هذا
منقسما بأنّه خلاء وهذا غير منقسم بأنّه ملاء . وإن كان منقسما بكليّته لم يبق
منه شئ غير منقسم ، فوجب أن يكون كلّه خلاء وألاّ يكون هنالك كثرة لأنّه
إذا لم يكن هنالك آحاد ينقسم إليها لم تكن هنالك كثرة . لكن الخلاء غير
موجود فالكثرة والحركة غير موجودة . فهؤلاء قد تركوا ما يوجد حسّا لأمثال
هذه الحجج لأنّهم رأوا أنّ القياس أوْلى بأن يُتْبَع من الحسّ . ولذلك قال بعضهم
إنّ الكلّ غير متناه لأنّه لو تناهى الكلّ لكان هنالك خلاء يتناهى إليه . وترك
ما يوجد حسّا لأمثال هذه الأقاويل هو شئ أشبه بالجنون
[59] بل نقول إنّ المجنون لا يبلغ من جنونه أن يرى أنّ النار والجمَد واحد ، بل
مقدار ما يُعتَرَّى المجنون من ذلك أن يظنّ بالأشياء التى هي قبيحة بحسب
العادة أنّها ليست بقبيحة ، وبما هو جميل أنّه ليس بجميل وأنّه ليس بين أمثال
هذه فرقا للخلفاء الذى هذا الجنس ، لا أن يظنّ ذلك فى المحسوسات
أنفسها .

[Page 67] [60] وأمّا لوقيس فإنّه وافقهم على صحّة اتّصال المقدّم بالتالى فى قياسهم ،
وهو أنّه إنْ كانت الحركة والكثرة موجودة فالخلاء موجود وخالفهم فى
المستثنى . وذلك أنّ القائلين بأنّ الموجود واحد استثنوا مقابل التالى ، وهو أنّ
الخلاء غير موجود فأنتج لهم مقابل المقدّم . وأمّا لوقيس فإنّه استثنى ما هو
ظاهر للحسّ وهو المقدّم فأنتج أنّ الخلاء موجود . ولذلك ظنّ أنّ عنده أقاويل
فى إعطاء أسباب هذه الأشياء لا يبطل معها لا الكون ولا الفساد ولا الحركة
ولا الكثرة ولا شئ من الأمور المحسوسة . ولمّا وافقهم بعض الموافقة فى
الأشياء التى انتجوا منها أنّ الخلاء غير موجود وهو قولهم الخلاء ليس هو
شيئا موجود وليس شئ من الموجودات يقال فيه أنّه ليس هو شيئا موجودا ،
قال إنّ الواحد بالتحقيق هو ما لم يكن فيه خلاء وكان ملاء كلّه وهي الأجرام
الغير منقسمة .
[61] قال : وذلك أنّه لا يمكن أن يكون من الواحد بالحقيقة كثرة وليس يمكن
أيضا أن يكون من الكثرة واحد بالحقيقة . ولذلك الموجود عنده ليس بواحد
بالحقيقة ، بل فيه أجزاء غير متناهية جائلة فى الخلاء ، إلاّ أنّها تخفى
لصغرها . فمن هذه الجهة فقط وافق لوقيس لمن يقول بأنّ الموجود واحد ، وأمّا
فى غير ذلك فهو فى عين المخالفة.

[Page 68] وأمّا سبب الكون والفساد والفعل والانفعال والنمو والاستحالة فلوقيس يوجبه
من قبل وجود الأجرام الغير منقسمة جائلة ومتحركة فى الخلاء فيقول إنّ هذه
الأجزاء إذا اجتمعت وتشبّكت فعلت الكون ، وإذا تشتّتت فعلت الفساد ، وإذا
تماسّت و تلاقت من شيئين كان الفعل والانفعال ، وإذا تبدّل ترتيبها ووضعها
فعلت الاستحالة ، وإذا تداخلت فعلت النمو . ووجود الخلاء عنده واجب بين
هذه الأجزاء متلاقية كانت أو مشتّتة . ولذلك ليس الواحد عنده على الحقيقة
إلاّ الجرم الغير منقسم .
[62] وبالجملة كما أنّ أولائك يعطون أسباب الفعل والانفعال والنمو من جهة
الثقب كذلك يعطيها هذا من قِبَل الأجزاء الغير منقسمة ووجود الخلاء .
والقائلون بالثقب يكاد أن يلزمهم القول بالأجرام التى لا تنقسم لأنّه إذا لم
تكن الثقب فى الجسم كلّه لأنّه حينئذ كان يكون كلّه خلاء . فواجب أن يكون
الأجرام التى بين الثقب المتلاقية غير منقسمة ، فإنّه لا فرق فيما بين المذهبين
إلاّ أنّ الذى بين هذه الأجرام هي عند لوقيس خلاء وعند هؤلاء ثقب مملوءة من
أجسام ألطف . فيكاد أن يكون مذهب الفريقين فى الفعل والانفعال متقاربا ،
إلاّ أنّ لوقيس أقدر على أن يأتي بأسباب جميع التغايير من أصوله التى بنى
عليها مذهبه .

[Page 69] وأمّا غيرهم فدونهم فى ذلك . وذلك أنّه ليس تبيّن من قول ابن دقليس بحسب
أصوله الجهة التى بها يكون الكون والفساد والاستحالة لجميع الموجودات
الطبيعية . وذلك أنّ أولائك يجعلون أنّ كون الأجسام الأربعة المسمّاة
أسطقسّات من الأجرام الغير منقسمة ويجعلون السبب فى اختلاف هذه الأجسام
هو اختلاف الأجرام الغير منقسمة التى منها تركّبت فى الشكل . وأمّا ابن
دقليس فإنّه يقدر أن يوفي سبب الكون والفساد فى غير هذه الأجسام الأربعة
بأن يقول إنّها تنحلّ إلى هذه الأجسام . فأمّا كون هذه الأجسام وفسادها فليس
يمكنه فيها أن يأتي فيه بشئ . ولذلك جحد كونها إذ ليس سقول إنّ هاهنا
أسطقسّا أقدم منها لا من النار ولا من غيرها كما يقدر أن يقول بذلك من جعل
هاهنا أسطقسًا أقدم منها مثل لوقيس وأفلاطون .
[63] إلاّ أنّ الفرق بين مذهب أفلاطون ولوقيس يوجد فى ثلاثة أشياء: أحدها أنّ
الغير منقسمة عند أفلاطون هي السطوح ، والغير منقسم عند لوقيس هي
الأجسام ، والثاني أنّ أشكال الغير منقسمة عند أفلاطون متناهية ، و عند
لوقيس غير متناهية ، والثالث أنّ أفلاطون ليس يدخل الخلاء ، ولوقيس
يدخله ، وكلاهما يقولان بالتماسّ إلاّ أنّه ليس الخلاء من ضرورة التماسّ عند
أفلاطون.

[Page 70]

الفصل الثانى

قال : فأمّا أنّ السطوح الغير منقسمة ليست أسطقسّات للأجسام الطبيعية فقد
تكلّمنا فى ذلك فى غير هذا الموضع ، يعنى فى الثالثة من السماء والعالم .
وأمّا أنّه ليست هاهنا أجسام غير منقسمة فإنّا ندع الإمعان فى النظر فى ذلك
فى هذا الموضع وإنّما نتكلّم فيها بيسير من القول وبحسب ما تدعو إليه الجهة
التى منها يقولون أنّها سبب الفعل والانفعال.
[64] فنقول : إنّه قد يلزمهم ضرورة أن يقولوا فى كلّ واحد من الأجرام الغير
منقسمة أنّه غير قابل أثرا أصلاً ، ولا فعلا ولا انفعالا ، وذلك أنّه لمّا كان سبب
الانفعال والفعل عندهم إنّما هو الخلاء المبثوث فى الأجرام المركّبة من هذه ،
وكانت هذه الأجرام ملاء غير خلاء ، فواجب بحسب هذا ألاّ تفعل فعلا أصلاً
ولا انفعالا من الانفعالات الموجودة فى الأجسام المركّبة منها حتّى لا يمكن أن
يكون منها شئ بارد ولا صلب ولا ذى كيفية من الكيفيات . لكن إنْ كان
ذلك كذلك ، وكانت هي بذاتها و مفردة لا تقبل الانفعال ولا الفعل ، ولا الخلاء
فيه أيضا انفعال ، فأذاً ليت شعرى ما يكون سبب الانفعال ؟

[Page 71] [65] فهذا هو أحد الشناعات التى يلزمهم إنْ وضعوها غير قابلة للتأثير .
وأيضا قد يلزم عن أقاويلهم شناعة أخرى ، وهي إنْ تكون قابلة للانفعال
فإنّهم يجعلون أنّ الكرية منها حارّة ، فيلزمهم إنْ كانت الحرارة تخصّ الشكل
الكري أن تكون البرودة تخصّ شكلا آخر إذ كانت ضدّ الحرارة ، فإنّه إذا وجد
الضدّ فى جنس ما لزم أن يوجد فيه ضدّه ، وإذا وجدت الحرارة والبرودة فيها
وجب وجود الثقل والخفّة والصلابة والين إذ كانت هذه الكيفيات يظهر من
أمرها أنّها أشدّ تقدّما فى وجود الأجسام من تلك .
[66] وإذاوجد الثقل وجد الأثقل كما يظنّ أنّه يقول به ديمقراطيس أو يلزم قوله
وإذا وجد الأثقل وجد الأحرّ ، وإذا وجد الأحرّ وجد الفعل و الانفعال ، فإنّ
الأكثر حرارة يجب ضرورة أن يفعل فى الأقلّ حرارة ،
[67] وأيضا إنْ كان هاهنا صلب فهنا ليّن . وإنّما يقال فى الشئ إنّه ليّن إذا
كان يتطامن . فيلزمهم على هذا إذًا أن يقبل الانفعال عن غيرها وذلك خلاف
ما يرون ، فكيف ما وضعوا الأمر فيها لزمهم المحال المتقدّم ، وذلك أنّهم إنْ
وضعوها غير قابلة للانفعال لزم الاّ تكون سببا للانفعال ، وإنْ وضعوها قابلة
للانفعال ، لزم أن تكون سببا للانفعال ، ويلزمهم من نفس وضعهم أن تكون
قابلة غير قابلة كما قلنا ،

[Page 72] [68] وذلك أنّ مِنْ وضعهم أنّ فيها شكلا و حرارة يلزمهم أن تكون قابلة
للانفعال ، ومن وضعهم أنّها غير منقسمة يلزمهم ألاّ تكون قابلة لانفعال واحد
ولا لأكثر من واحد . وذلك أنّه إنْ قبلت الانفعال فإمّا أن تقبل واحد واحد منها
انفعالا يخصّه كأنّك قلت لهذا صلابة ولهذا حرارة ، وإمّا أن يقبل الواحد منها
أكثر من انفعال واحد . فإنْ قبل واحد واحد منها انفعالا يخصّه لزم ألاّ يكون
طبائعها واحدة . وإذا اختلفت طبائعها فهنالك شئ به تختلف و تتّفق فهي
منقسمة . وإنْ قبلت منها أكثر من واحد لزم أن تكون منقسمة ، لأنّ
الانفعالات عندهم إنّما تختلف من جهة الأجزاء وترتيبها .
[69] وهذا شئ لازم لمن قال بسطوح غير منقسمة وأجرام غير منقسمة أعنى ألاّ
تقبل تخلخلا ولا تكاثفا ولا غير ذلك من الكيفيات ما لم يكن فيها خلاء ،
وكلا الفريقين ليس يضعون فيها خلاء . أمّا أصحاب السطوح فينفون وجوده
جملة ، وأمّا أصحاب الأجزاء فينفونه عن الأجزاء . فكلا الوضعين يلزمهم من
أقاويلهم نقيضه ، أعنى أنّهم إنْ وضعوها غير قابلة الآثار لزمهم أن تكون
قابلة من قولهم ، وإنْ وضعوها قابلة لزمهم أيضا من قولهم أن تكون غير
قابلة ، وإذا لم يمكن أن تكون لا قابلة ولا غير قابلة فوجدوها محال .

[Page 73] [70] وأيضا فمن الفضل اشتراطهم الصغر فيها إذا كانت بطبيعتها غير منقسمة .
فأمّا نحن إذا نعتقد أنّ الانقسام موجود للجسم فقد يكون الصغر عندنا سببا
لعسر الانقسام لكن بالعرض والكبر سبب لسهولة الانقسام إذ كان الكبير يلقى
من الفاعل أكثر ممّا يلقى الصغير . وبالجملة فَهُمْ لا يقدورون أن يقولوا لِما
صارت الصغار أوْلى بعدم الانقسام من الكبار.
[71] وأيضا فقد نسألهم هل تلك الأجرام المصمتة طبيعتها كلّها واحدة أم تفرق
بفصول محسوسة ، كأنك قلت بعضها أرضية و بعضها نارية . فإنْ كانت
طبيعتها كلّها واحدة فما بالها إذا تلاقت ألاّ تصير واحدة مثلما يعرض ذلك
فى جميع الأجسام المتشابهة الأجزاء مثل الماء إذا لقي من ماء والنار إذا
لقيت نارا . وإنْ كانت تختلف بفصول فكم هي تلك الفصول وما هي؟ فإنًّ
هذه الفصول إنْ كانت موجودة فهي أحَقّ أن تكون مبادئ وأسبابا لِما يحدث
من الأشكال.
[72] وأيضا إنْ كانت مختلفة بهذه الفصول فقد يلزم أن يفعل بعضها فى بعض
وينفعل بعضها عن بعض.
[73] وأيضا إنْ كانت متغيّرة فى المكان كما يرون ذلك أو أيّ صنف اتّفق لها من
أصناف التغيّر فلها ضرورة مغيّر . فإنْ كان كلّ واحد منها يغيّر نفسه فإمّا أن
يكون منقسما حتّى يكون المغيّر فيه غير المتغيّر وإمّا أن يكون غير منقسم
فيكون المغيّر نفسه هو المتغيّر فيجتمع الضدّان فى شئ واحد بعينه ويكون
القابل لهما واحدا بالعدد والقوة .

[Page 74] [74] وذلك أنّ السبب فى أنّ الضدّين طبيعتان متباينتان هو أنّ الموضوع لهما
اثنان بالقوة ، وإنّما هو اثنان بالقوة من جهة ما هو مركّب . فلو كان بسيطا
لكان واحدا بالعدد والقوة . ولو كان الموضوع لهما واحدا بالقوة لكان الضدّان
طبيعة واحدة بعينها فكان يجب اجتماعهما . فهذا جملة ما يعاند به فى هذا
الموضع القائلين بالأجرام الغير منقسمة .
[75] وأمّا القائلون بالثقب فإنّه عاندهم هكذا : وذلك أنّ الجسم إنْ كان ينفعل
مِن قِبَل الثقب ، أعنى من قبل أنّ الجسم الفاعل كما يضعون يدخل فى الثقب ،
فلا يخلو ذلك من أحد قسمين ، إمّا أن يكون ذلك والثقب مملوءة ، وإمّا أن
يكون والثقب فارغة . فإنْ كان ينفعل والثقب مملوءة من جسم فلا معنى
للثقب ، لأنّه لو كان الجسم الذى بهذه الصفة بغير ثقب لَقَبِلَ الانفعال كما يقبله
بالثقب. فإنّ الحال فى الجسم الذى فى الثقب واحدة من جهة قبول الانفعال .
فإنْ كان الذى فى الثقب يقبل الانفعال فالذى يوجد فيه الثقب أيضا يقبل
كذلك .

[Page 75] [76] وأيضا فعلى هذا لا يمكن نفوذ البصر فى الأجسام المشفّة من جهة الثقب إذ
كان كلّ واحد منها ملآن لأنّه بمنزلة أن لو لم يكن فيها ثقب ، وأمّا إنْ كانت
الثقب فارغة فيجب أن يكون فيها أجسام . وذلك أنّ الخلاء والفراغ ليس شيئا
إنْ كان موجودا إلاّ أنّه موضع للجسم . وإذا كان كلّ موضع فله جسم مساو
وكلّ جسم فله موضع مساو وكلّ خلاء فله جسم مساو له ، فلتلك الثقب
أجسام مساوية . فإنْ قالوا إنّها من الصغر بحيث لا يمكن أن تقبل جسما كان هذا
مما يضحك منه وهو أن يكون مَن لا يجوز وجود خلاء مفارق كبيرا أن يجوز
وجوده صغيرا . وبالجملة فالقول بالثقب لا معنى له لأنّه إنْ كان لا يقبل الجسم
الانفعال فلا معنى للثقب ، وإنْ قبلها فالثقب لا معنى لها . فقد تبيّن من هذا
أنّ القول بالثقب إمّا أن يكون كاذبا وإمّا ألاّ يكون سببا للانفعال بالذات .
وذلك أنّه لمّا كان الانفعال إنّما يكون عندهم بالانقسام فإنْ كانت تقبل الانقسام
بكلّيتها فلا معنى للثقب وإنْ لم يكن يقبل الانقسام فالثقب أيضا عبث .

[Page 76]

الفصل الثالث

[77] قال: وإذ قد تبيّن بطلان ما قاله القدماء فى الفعل والانفعال قنحن
مخبرون بالوجه الذى يجرى عليه الأمر فى ذلك وواضعون له المبدأ الذى قد
وضعناه مرارا كثيرة . وهو أنّ الأشياء لمّا كانت مركّبة من هيولى وصورة ، كان
بعضها بالقوة شيئا ما وهو المنفعل وبعضها بالفعل ذلك الشئ بعينه ، وهو
الفاعل . وإذا كان ذلك كذلك فليس سبب الانفعال شيئا إلاّ كون المنفعل قابلا
للشئ الفاعل . وليس يمكن أن يكون المنفعل من جهة ما هو منفعل بالقوة
قابلا بجزء وغير قابل بجزء ، بل الذى يمكن أن يكون قبوله ببعض الأجزاء
أكثر وأقلّ . ومن هذا الوجه لقائل أن يقول بالثقب مثلما يوجد فى المعادن
عروق ممتدّة قابلة لصورة المعدن المتكوّن أكثر من سائر أجزاء تلك الأرض .
[78] فالانفعال والفعل يحدث بين الأشياء متى كان الفاعل والمنفعل غير
متّحد ، بل كانا شيئين اثنين أحدهما مماسّ للآخر . وأمّا متى كانا غير متماسّين
فليس ينفعل أحدهما عن الآخر إلاّ إنْ يكون ذلك بوساطة جسم آخر بينهما
قابلا للانفعال . مثال ذلك أنّ النار مثلا قد تسخّن الشئ بملاقاتها إياه
ومباشرته ، وقد تسخّنه وهي منه على بعد ما بوساطة تسخينها للهواء.

[Page 77] [79] فأمّا أنّ الشئ ليس يمكن أن يكون منفعلا ببعضه وببعض غير منفعل .
فذلك يظهر من هذا القول ، وذلك أنّه إنْ كان الجسم ليس هو منقسما بكلّيته
بل ينقسم إلى أشياء غير منقسمة إمّا أجرام وإمّا سطوح ، فواجب ألاّ يكون
منفعلا بجميع أجزائه . وإنْ كان وجود أشياء فى الجسم غير منقسمة محال
على ما تبيّن ، فواجب أن تكون طبيعة الجسم كلّها واحدة وأن تقبل الانفعال
فى جميع أجزائه على مثال واحد سواء كان الانفعال من طريق التقسيم وشيئا
فى باب الكمّية كما يقول به ديمقراطيس ولوقيس ، أو كان شيئا فى باب الكيفية ،
إلاّ أنّ إنزالنا إياه فى باب الكمّية محال وشنيع ، وذلك أنّ هذا القول
يبطل الاستحالة .
[80] وذلك أنّا نرى الجسم الواحد بعينيه يعود مرّة رطبا مرّة سيّالا وهو ثابت
بعينه من غير أن يكون لحقه تقسيم ولا تركيب ولا اختلاف وضع فى أجزائه ولا
اختلاف ترتيب كما يقول ديمقراطيس . وذلك أنّه لم يبدّل طبعه عندما جمد
بأن يتركّب ولا بأن ينقسم عندما سال ، بل هو بعينه مرّة سيّال ومرّة جامد صلب .
[81] وأيضا فكما أنّه لا يمكن أن يكون على هذا الرأي استحالة ، كذلك لا يمكن
أن يكون نموٌ إذ كان النمو زيادة تعرض فى جميع أجزاء النامى على مثال
واحد . فمتى لم يفرض أنّ النمو يكون بأن تتغيّر جميع أجزاء الكلّ إمّا بأنّ
شيئا يخالطها فيغيّرها ، وإمّا بأنّ الشئ تغيّر فى نفسه عمّا خالطه ، لم يقدر
أن يقول شيئا فى سبب النمو . فقد تبيّن من هذا القول ما الأشياء الفاعلة
والمنفعلة ، وتبيّن كيف يكون الفعل والانفعال وكيف لا يكون.

[Page 78]

الجملة الثامنة

[82] قال : وقد ينبغى أن ننظر فى أمر المغالطة فإنّها المعنى الثالث من المعانى
التى قصدنا التكلّم فيها . وذلك بأن نخبر ما هي المخالطة وما الأشياء
المختلطة وفى أيّ الأمور يمكن وجود المخالطة . وقَبْل ذلك فينبغى أن نُحِلّ
الشكّ الواقع فى وجودها . فإنّ هاهنا قوما يرفعون وجودها وذلك أنّهم قالوا إ‏نّ
الأشياء التى يقال فيها إنّها مختلطة لا تخلو من ثلاثة أحوال : إمّا أن تكون
ثابتة بأنفسها لم تتغيّر عمّا كانت عليه ولا فسدت ، وإمّا أن يكون المختلطان
فسد كلّ واحد منهما وإمّا أن يكون فسد أحدهما . فإنْ كان المختلطان قائمين
لم يفسد واحد منهما فلم يحدث فيهما معنى يجب من أجله أن يقال فيهما فى
وقت ما إنّهما مختلطان وفى وقت ما إنّهما ليسا مختلطين ، وإنْ كان فسد
أحدهما وبقي الآخر فهذا لا يُسَمَّى اختلاطا ، لأنّ المخالطة تقتضى أن يكون ما
يعرض لأحد المختلطين يعرض للثانى على مثال واحد ، وأمّا إنْ فسدا جميعا
فليسا بموجودين فضلا عن أن يكونا مختلطين . وإذا كان الأمر هكذا فليس
‏هاهنا مخالطة.

[Page 79] [83] وهذا الشكّ يستدعى معرفة الفرق بين المخالطة والكون والفساد وبين
الأشيا ء المختلطة والأشيا ء الثابتة الغير مختلطة . فأمّا الفرق بين الاختلاط
والكون والفساد فبيّن بنفسه فإنّا نقول فى الخشبة إذا تغيّرت وانقلبت إلى
النار أنّها تكونّت نارا ، ولا نقول إنّها اختلطت بالنّار ولا النّار بالخشبة ، بل
نقول إنّ الخشبة فسدت وإنّ النّار تكونّت . وكذلك تبيّن الفرق أيضا بين
الاختلاط والنمو. وذلك أنّا لسنا نقول إنّ الغذا ء اختلط بالبدن ولا البدن
بالغذاء ، إذ كان الغذاء يفسد والبدن باق على حاله كما قيل فى أحد أقسام
الشكّ . وكذلك أيضا الفرق بين الاختلاط وبين الاستحالة بيّن . فإنّا نقول إنّ
الجسم استحال أبيض بعد أن كان أسود ولا نقول إنّ البياض اختلط بالجسم ولا
‏الجسم بالبياض . وبالجملة فليس يمكن أن تختلط الصور و الكيفيات بالأجسام
الحاملة لها ولا يمكن أيضا أن تختلط الصور و الكيفيات أنفسها بعضها
ببعض ، كأنّك قلت البياض بالمعرفة. ولذلك نقول إنّ أنكساغورش قد أخطأ فى
قوله إنّ جميع الأشياء المحسوسة هي كلّها معا ومختلطة ، إذ كان ليس يمكن
‏أن يختلط كلّ شىء بكلّ شىء . وإذا كان المختلطان ليس أحدهما فاسدا ولا
كلاهما فاسدان ولا هما فى حال الاختلاط شيئان ثابتان كما كانا قبل
الا‏ختلاط . فواجب أن يكون المختلطان من جهة موجودين ومن جهة غير موجودين

[Page 80] [84] ‏ ولمّا كنّا نقول إنّ بعض الموجودات موجودة بالقوة وبعضها بالفعل ، فقد
نرى أنّ المختلطين فى حال اختلاطهما إمّا بالفعل فإنّ المتولّد منها هو غير
المختلطين قَبْل أن يختلطا ، وإمّا بالقوة فكلّ واحد منهما موجود كما كان قبل
أن يختلطا. ولذلك ما نقول إنّهما لم يفسد على التمام ولا بقيا على أحوالهما
قبل الاختلاط . وبهذا يَنْحَلّ الشكّ المتقدّم ، فإنّ هذه الجهة هي التى اغفلوها
فى التقسيم . والدليل على ذلك أنّا نجد المختلطين إنّما يختلطان من شيئين
كانا قبل الاختلاط مفترقين ثمّ إنّهما بعد الاختلاط قد يمكن أن يعودا مفترقين .
فليس نقدر أن نقول إنّهما بعد الاختلاط باقيان بحالهما قبل الاختلاط وإلاّ
كان اسم الاختلاط صفرا لا معنى له . ولا نقدر أيضا أن نقول إنّهما فسدا إلى
النهاية ولا واحد منهما ، إذ كانا نجدهما يفترقان . فقد لزم أنّ الاختلاط معنى
موجود ضرورة . وقد ينبغى أن نقول ما هو ونبدأ بحلّ الشكوك التى تعرض
‏فى معرفة ما هو الاختلاط الحقيقي .
[85] فنقول إنّ الاختلاط لا يخلو أن يكون إمّا شيئا عرض من باب
الكيفية والصورة أو شيئا عرض من باب الكمّية . ثمّ إنْ كان شيئا عرض من
باب الكمّية ، فلا يخلو ذلك أيضا من وجهين أحدهما أن يكون الاختلاط هو
أن ينقسم كلّ واحد من المختلطين إلى أجزاء صغار كلّ واحد منهما حافظ
لطبيعة الشىء الذى هو جزء منه ، ثمّ تتداخل هذه الأجزاء بعضها على بعض ‏
ويقع بعضها إلى جانب بعض أيّ جزء اتّفق إلى جانب أيّ جزء اتّفق

[Page 81] حتّى يعسر لذلك على الحسّ التفريق بينهما لصغرهما فيكون الاختلاط على
هذا شيئا يعرض عند الحسّ لأنّ طبيعة كلّ واحد من المختلطين قائمة فى تلك
الأجزاء ء بأنفسها ، إذ كان انقسام كلّ واحد من المختلطين إلى أجزا ء صغار
وتداخل بعضها على بعض حتّى يعرض لها ألاّ تتميّز عند الحسّ ليس ممّا
يوجب تغيّر طبائع المختلطين . ومثال ذلك أنّا إنْ خلطنا حنطة بشعير فإنّه
يعرض لكلّ حبّة من حبوب الحنطة أن تقع إلى جانب أيّ حبّة اتّفقت من حبوب
الشعير من غير أن تتغيّر حبوب الشعير عن طبيعتها ولا حبوب الحنطة .
والوجه الثانى أن يكون معنى الاختلاط هو انحلال كلّ واحد من المختلطين
وتغيّر طبائعهما بانقسام كلّ واحد منهما إلى أجزا ء غير منقسمة بطبعها ثمّ
تتداخل هذه الأجسام الغير منقسمة بعضها على بعض حتّى يكون المختلط
شيئا حادثا هو بالفعل غير كلّ واحد من المختلطين قبل أن يختلطا . فيكون
الاختلاط على هذا ليس هو شيئا عرض عند الحسّ ، ولكنه أيضا فى باب
الكمّية . ويفارق هذا الاختلاط ذلك المعنى الأولّ بأنّ طبيعة كلّ واحد من
المختلطين قد فسدت بانقسامها إلى أجرام غير منقسمة ، وأمّا ذلك الانقسام
فطبيعة الأجزاء هي من طبيعة المختلطين وتفارقه أيضا بأنّ جميع أجزا ء أحد
المختلطين موضوعا إلى جانب أجزاء المختلط الثانى أيّ جزء اتّفق إلى جانب
أي جزء اتّفق،

[Page 82] وأمّا فى الا‏ختلاط بالمعنى الأولّ فليس هو جميع الأجزاء ء إذ كانت الأجزاء
الخافية عن الحسّ يمكن أن تنقسم أيضا إلى أجزا ء أصغر منها . فإذا إنّما وضع
فى هذا الاختلاط بعض أجزا ء أحد المختلطين إلى بعض أجزا ء المختلط الثانى
وفى ذلك كلّ الأجزاء . وإذا قلنا إنّ الاختلاط الذى يعرض من باب الكمّية إنْ
كان موجودا فإنّما يكون فى هذين القسمين ،
[86] فنقول إنّه إنْ لم يكن الاختلاط تركيبا ولا كان الانقسام فى الأجسام
ينتهى إلى أجزا ء لا تتجزّأ ، فواجب ألاّ يكون الاختلاط ولا فى واحد من
هذين القسمين . وإنّما كان ذلك واجبا لأنّ الاختلاط إنْ كان على الوجه الأوّل
وهو الذى يخفى عن الحسّ كان الاختلاط تركيبا . ومعلوم أنّه ليس الاختلاط
تركيبا ، فإنّ الأشياء ، المختلطة حدّ الكلّ والجزء منها واحد ، إذ كانت أجساما
متشابهة ، أعنى أنّه يكون منها فعل الكلّ والجزء واحدا وليس كذلك حال
الأشياء المركّبة . فإذا كان الأمر هكذا فليس يكون هنالك مخالطة بالحقيقة ،
‏بل عند الحسّ ، ويكون المختلط عند زيد غير المختلط عند عمرو ولا يكون
هاهنا بالحقيقة شىء مختلط عند الرجل المضروب به المثل فى حدّة البصر .
فيكون اسم المخالطة والمزاج صفرا وإنّما يكون هنالك تركيب أخفى من تركيب
وذلك شنيع . وإنْ كان على الوجه الثانى كان انقسام الجسم متناهيا ، وقد
تبيّن أنّ انقسام الأجسام إلى غير نهاية . فواجب ألاّ يكون الاختلاط ولا على
واحد من هذين المعنيين .

[Page 83] وإذا كان ذلك كذلك فإمّا أن يكون الاختلاط غير موجود وإمّا أن يكون فى
باب الكيفية . لكنّه موجود فهو فى باب الكيفية . وإذا كان فى باب الكيفية
فقد ينبغى أن نقول أيّ الأشياء هي القابلة له وفى أيّ باب من أبواب الكيفية
هو وكيف يعرض .
[87] فنقول : أمّا الموجودات التى يعرض لها الاختلاط فهي الموجودات
التى قلنا إنّه يقع فى كلّ واحد منهما من صاحبه الفعل والانفعال . وقد قلنا
إنّ هذه الأشياء هي التى هيولاها واحدة . وأمّا الأشياء التى ليس هيولاها
واحدة فليس يقع فيها مخالطة إذ ليس يقع فى كلّ واحد منهما انفعال من
صاحبه مثل صناعة الطبّ . فإنّها تفعل فى الأبدان كما قيل وليس تفعل فيها
الأبدان. ولمّا كانت الأشياء التى هيولاها واحدة هي متضادّة على ما تقدّم ،
فالكيفيات التى تكون للمختلط بما هو مختلط هي كيفية متوسّطة بين
الضدّين الموجودين فى المختلطين.
[88] وأيضا فإنّه تختصّ الأشياء المختلطة بصفة ثانية وهي أن تكون سهلة ‏
التقسيم مستويا فى كلّ واحد من المختلطين ، فإنّه إذا انقسم أحد المختلطين

لى أجزا ء كبار والثانى إلى أجزاء صغار لم تكن مخالطة ، لأنّ الكبار تغلب
الصغار . فيكون ذلك فسادا للصغار وزيادة فى حجم المختلط الثابت ، مثل
رطل من الخمر إذا خالط أرطالا من الما ء فإنّه يعود ماء . وسهولة التقسيم
تعرض للأشياء المختلطة من قبل الرطوبة كما أنّ عُسْرَه يعرض من قبل
اليبوسة فلذلك أحقّ الأشياء بالاختلاط هي الأشياء الرطبة ما لم تكن لزجة .

[Page 84] [89] وأمّا الاختلاط فإنّما يعرض إذا فعل كلّ واحد من الضدّين فى صاحبه فعلا
‏ قريبا من السواء حتّى يعرض للمختلطين كيفية واحدة متوسّطة بين ذينك
الضدّين . ويكون الموضوع لتلك الكيفية كمّية المختلطين معا ضرورة . وذلك
إذا كان المختلطان عندما يغيّر كلّ واحد منهما صاحبه يستفيد كيفية سوا ء ،
حتّى إذا صار إلى الكيفية الوسطى التى هي بالطبع كيفية واحدة لموضوع
واحد ، كان الموضوع لها الكمّيتان جميعا . وأمّا إذا لم يكن استفاد الكيفية
كلّ واحد منهما على شرع سوا ء لِعُسْر قبول أحدهما كانت كمّية المختلط أقلّ
من كمّية المختلطين لأنّ الأجزاء القابلة لتلك الكيفية المتوسّطة من المختلط
العسير القبول تكون قليلة . ولذلك ربّما لم يستفد أحد المختلطين من الآخر إلاّ
كيفية فقط وذلك لعسر القبول الذى فيه ، أو إنْ استفاد فكمّية يسيرة مثل ما
يعرض عن مخالطة الرصاص النحاس فإنّ النحاس إنّما يقبل عن الرصاص لونا فقط .
[90] وذلك أن هاهنا أشيا ء كما يقول أرسطو يوجد لها من حالة الاختلاط
‏ واختلافه فى الكثرة والقلة شبيه بما يوجد لحروف التمتام من الاختلاط بعضها
ببعض وميل بعضها إلى مخارج بعض ، وربّما لم يكن إلا أنّ احدهما بمنزلة
‏ القابل والآخر بمنزلة الصورة . فقد ظهر من هذا القول ما هي المخالطة وفى أيّ
‏الأشياء وأنّها ليست كونا ولا فسادا ولا استحالة ولا تركيبا ولا اختلاطا عند
الحسّ ، وأنّ ألمخالطة إنّما تكون للأشياء السهلة الانحصار القابلة الانفعال
المتشابهة ، وأنّها ليست شيئا إلاّ اتّحاد المختلطين ورجوعهما واحدا بالاستحالة.

[Page 85]

المقالة الثانية

وهذه المقالة فيها جمل أربع:
‏الجملة الأولى : يفحص فيها عن الأجسام المسمّاة أسطقسّات هل هي
أسطقسّات أم لا وإنْ كانت فَهَل كلّها أو بعضها .
‏ الجملة الثانية : يعرّف فيها جهة كون هذه الأجسام الأربعة بعضها عن بعض
ويعاند آراء القدماء فى ذلك.
الجملة الثالثة : يخبر فيها عن جهة كون المركّبات عن هذه الأجسام الأربعة
‏ويبيّن فيها أنّ جميعها تتركّب من هذه الأربعة.
‏ الجملة الرابعة : يفحص فيها عن جميع أنواع أسباب الكون والفساد العامة
ويعرّف الوجه الذى به يمكن اتّصال الكون فى الموجودات الكائنة الفاسدة.
الجملة الأولى

‏وهذه الجملة فيها فصلان :
‏الفصل الأوّل : يذكر فيه بما سلف فى المقالة الأولى ويخبر فيه الشىء الذى
بقي عليه من هذا العلم ويفحص هل هاهنا أسطقسّات أقدم من هذه الأربعة أم لا .
الفصل الثانى : يبرهن فيه أنّ هذه الأجسام الأربعة هي أسطقسّات المركّبات .

[Page 86]

الفصل الأوّل

[1] قال : لمّا كنّا قد قلنا كلّ ما ينبغى أن يقال فى المخالطة وفى المماسّة وفى
الفعل والانفعال الموجود فى الأشياء الطبيعية ، وقلنا مع ذلك فى الكون
والفساد المطلق العامّ للبسائط والمركّبات ، أعنى الذى يكون من واحد إلى
واحد وفى أيّ شىء يوجد وكيف يوجد وعمّاذا يوجد ، وقلنا مع ذلك فى
الاستحالة ما هي وما الفرق بينها وبين الكون ، فقد ينبغى علينا أن ننظر فى
الأجسام التى تدعى أسطقسّات الأجسام. وذلك أنّه إنْ كانت جميع المركّبات
محسوسة فواجب أن تكون أسطقسّاتها القريبة أمورا محسوسة. وهو ينظر من
هذه الأجسام فى هذا الكتاب فى خمسة أشيا ء أوّلُها هل هنا شىء أقدم أم لا ،
الثانى ما هي فصول الأسطقسّات وكم عددها ، الثالث هل تكون بعضها من
بعض وإنْ كان فكيف يكون ، الرابع كيف يكون منها جميع ما يكون ،
‏الخامس أنّ جميع المتشابهة مركّبة من كلّها أعنى من الأربعة . وهو يبتدئ
بالمعنى الأوّل .

[Page 87] [2] فنقول : إنّ قوما قالوا إنّ لهذه الأجسام الأربعة التى تسمّى أسطقسّات شيئا
موضوعا وهيولى لها موجودة بالفعل . فبعضهم جعلها واحدا منها إمّا هوا ء
وإمّا نارا وبعضهم جعل هذه الهيولى شيئا وسطا بين هذه الأجسام إلاّ إنّها مع
هذا شىء موجود بالفعل . وقوم قالوا إنّه ليس لها موضوع أقدم منها .
واختلافهم فى هذا مثل اختلافهم فى عددها . فإنّ قوما قالوا إنّ الأسطقسّات
من هذه اثنين فقط بمنزلة من قال إنّها نار وأرض فقط . وقوم قالوا إنّها ثلاثة
بمنزلة من قال إنّها النار والأرض والهوا ء، وقوم قالوا إنّها الأربعة بعينها بمنزلة
ابن دقليس فإنّه يرى أنّ الأسطقسّات هي هذه الأربعة وأنّ ا لكون والفساد
‏يعرض للأمور من اجتماعها وافتراقها و استحالتها .
[3] قال : فأمّا القول بأنّ الأوائل التى عنها يلحق الكون والفساد جميع
الموجودات كيف ما كان ، أعنى كان اجتماعا أو افتراقا أو على وجه آخر غير
ذلك ، واجب أن يسمّي أسطقسّات ومبادئ ، فذلك أمر متّفق عليه . وأمّا كم
عدد هذه المبادئ وكيف ترتيبها فى التقدّم والتأخّر فأمر غير بيّن بنفسه . فأمّا
من جعل لهذه الأربعة الأجسام مادّة أقدم منها وجعلها جسمانية وبالفعل فهو
مخطئ . وذلك أنّ كلّ جسم موجود بالفعل فليس يكون خلوا من وجود
المتضادّات فيه . وإذا لم يكن لهذا الجسم الخامس فصل إلاّ أحد الفصول
الموجودة لهذه الأربعة ، فهو واحد منها ضرورة ، وسوا ء فرض هذا الجسم
متناهيا أو غير متناه كما يقول به قوم ، وذلك أنّه يجب ضرورة أن يكون هذا
الجسم الخامس إمّا ثقيلا وإمّا خفيفا وإمّا باردا وإمّا حارًا .

[Page 88] [4] قال :وأمّا أفلاطون فى كتاب طيماوس فإنّه وضع لهذه الأجسام الأربعة
هيولى أقدم منها ، إلاّ أنّه لم يصرّح فى أمر هذه ‏الهيولى هل هي موجودة
بالفعل أم لا . ولا قال فى ذلك قولا بيّنا أكثر ممّا قال فيه إنّه قابل للكلّ ولا
استعمله فى سائر الموجودات ولا أعطى سببا يظهر فيها ، وإنّما قال إنّ هاهنا
موضوعا متقدّما على الأجسام التى تسمّى أسطقسّات كما أنّ الذهب متقدّم
على الحلي الذى يصاغ من الذهب . ويقول إنّ الكائن منها إنْ سمّي باسم
الشىء الذى كان منه ، كان قولا فى غاية الصدق كما أنّه إنْ سمّي السوار
ذهبا كان ذلك حقّا . وهذا الذى قال به ليس يصحّ فى الأشياء التى تتكوّن
وإنّما يصحّ فى الأشياء تستحيل .
[5] ‏وقال أيضا إنّ الأسطقسّات تنحلّ إلى سطوح . وهذا منه متناقض فإنّه ليس
يمكن أ‏ن يكون الهيولى الأولى التى يسمّيها الموضوع سطوحا .
[6] ‏قال : وأمّا نحن فإنّا قد بيّنّا أنّ لجميع هذه الأجسام المحسوسة هيولى هي
موجودة بالقوة غير متعرّية من أحد الأضداد ، وأنّ هذه الأجسام الأربعة مركّبة
منها ومن التضادّ الموجود فيها ، ولذلك ما ينبغى أ‏ن نضع ما تبيّن من ذلك
‏هاهنا.

[Page 89] فنقول : إنّ المبدأ الأوّل لجميع الأشياء هي الهيولى الغير مفارقة الموضوعة
للتضادّ ، لأنّ الحرارة ليس يمكن فيها أن تكون موضوعا للبرد حتّى تنقلب
طبيعة الحارّ إلى طبيعة البرد ، بل إنْ انقلبت الحرارة برودة فواجب أن يكون
هاهنا موضوع يقبلهما جميعا تارة هذا وتارة هذا . وهذا لازم فى الجوهر مثل
لزومه فى التأثيرات . فلذلك صار المبدأ الأوّل ما هو بالقوة جسم محسوس ،
وأمّا المبدأ الثانى فهي المتضادّات الأول التى لا يتعرّى منها الموضوع الأوّل ،
والثالث بعده الماء والنار وما أشبههما من الأجسام المركّبة من المتضادّة الأولى
والهيولى الأولى . وإنّما كانت هذه فى المرتبة الثالثة لأنّها متغيّرة بعضها إلى
بعض . فلذلك وجب أن يكون لها أسطقسّات متقدّمة عليها . فأمّا الأسطقسّ
‏المقول بالتقدّم فينبغى أن يكون غير متغيّر أصلاً . وليست هذه الأجسام
المسمّاة أسطقسّات كما يقول ابن دقليس غير متغيّرة بعضها إلى بعض ، ولو
كان الأمر كما زعم لمَا كان يوجد فيها استحالة ، أعنى فى فصولها التى هي
الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . فإذا كان هنالك استحالة فهنالك موضوع
كما قيل فيما تقدّم ، وإذا كان موضوع فثَمّ كون وفساد . وإنّما كان واجبا أن
يكون هنالك موضوع لأنّ الأضداد لا تتغيّر بعضها إلى بعض .

[Page 90]

الفصل الثانى

قال : وقد ينبغى أن نخبر عن أسطقسّات الأجسام المركّبة المحسوسة من جهة
ما هي أجسام مركّبة أيّ الأجسام هي وكم هي . ويكون إخبارنا عن ذلك
بطريق برهاني على ما جرت عليه عادتنا فى الأشياء التى نخبر عنها ، لا
بمنزلة من يضعها وضعا ويستعملها فى إعطاء أسباب المركّبات من غير أن
يأتي ببرهان على أن فصولها هي هذه الفصول وأنّ عددها هو هذا العدد .
[7] ‏ فنقول إنّا لمّا كنّا نطلب أسطقسّات الأجسام الملموسة من جهة ما هي
ملموسة إذ كان هذا النوع من المحسوس هو الذى يشترك فيه جميع الأجسام
المركّبة ، ونحن إنّما نطلب المبادئ والأسطقسّات المشتركة لجميع الأجسام المركّبة
الطبيعية المحسوسة فواجب أن تكون فصول الأجسام المركّبة المحسوسة المتضادّة
التى هي أسطقسّات لجميع الأجسام الملموسة من جهة ما هي ملموسة موجودة
فى هذا الجنس ، أعنى فى جنس الملموسات دون غيرها من المتضادّات التى
فى غير هذه الحاسّة أعنى حاسّة اللمس . ولذلك ما يجب ألاّ يكون
الأسطقسّات فصولها البياض والسواد أو الحلاوة والمرارة إذ كانت هذه المضادّة
ليست مشتركة لجميع الأجسام . وليس لقائل أن يقول إنّ المضادّة الموجودة فى
البصر أشدّ تقدّما من مضادّة اللمس إذ كان البصر أشدّ تقدّما من اللمس . فإنّا
لسنا نطلب فى هذا الموضع التقدّم على جهة الغاية والصورة بل التقدّم الذى
على جهة الموضوع والعنصر وهو المتقدّم بالطبع .

[Page 91] [8] وإذا تقرّر أنّ المضادّة التى تركّبت منها الأسطقسّات الأول هي فى الملموسات
أنفسها فلنلخّص أصناف المتضادّات الأول التى فى اللمس وننظر أيّ منها
يليق به أن يكون فصول الأسطقسّات الأول . والمتضادّات الأول فى اللمس فهي
الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والثقل والخفّة والصلابة واللين واللزوجة
والقحل والخشونة والملاسة والغلظ والرقّة . فأمّا الثقل والخفّة فلمّا كانا ليسا
بفاعلين ولا منفعلين ، وأعنى بذلك أنّه لا الثقل يفعل ثقلا ولا الخفّة تفعل
خفّة ، ويدلّ ذلك على أنّ اسميهما ليسا يدلاّن عليهما إلاّ من حيث الحركة
فقط لا من حيث الفعل والانفعال ، وكان واجبا أن تكون المضادّة الأولى التى
فى الأسطقسّات فاعلة بعضها فى بعض ومنفعلة وإلاّ لم يحدث عنها شىء ,
فواجب ألاّ تعدّ هذه المضادّة فى فصول الأسطقسّات بما هي أسطقسّات . فأمّا
الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فإنّ أسماءها الدّالة عليها إنّما هي عندهم من
حيث الاثنتان منهما فاعلتان وهو الحرارة والبرودة ، والاثنتان منفعلتان وهما
الرطوبة واليبوسة . وذلك ظاهر من رسومها لأنّ الحرارة هي الجامعة للأشياء
المتجانسة . وذلك أنّ النار وإنْ ظهر أنّها تفرّق وتميّز شيئا من شىء، فإنّما فعلها
ذلك من جهة جمع المتجانس فكأنّه ليس ذلك على القصد الأوّل . وذلك أنّه
يلحق جمع المتجانس تفريق الغريب . وأمّا البرودة فإنّها الجامعة الحاصرة للتى
هي من جنس واحد ومن غير جنس واحد .

[Page 92] [9] ‏وأمّا الرطوبة فهي ما ليس له فى نفسه حدّ يحصره لكنّها سهلة الانحصار
من غيرها . وأمّا اليبوسة فهي ما له فى نفسه حدّ يحصره وحصره مِن قِبَل
غيره عسير . وهذه الرسوم للحارّ والبارد واليابس والرطب وإنْ كانت ليست ممّا
يدلّ عليها أسماؤها عندنا ولا هي رسوم تتنزّل منزلة الأقاويل الشارحة للاسم
ولا يشهد لها التسمية كما كانت عندهم ، فى ما أحسب ، فهي أمور بيّنة
الوجود فى نفسها لهذه الكيفيات ، أعنى هذه الأفعال التى رسمت بها ، وهي
رسوم مأخوذة من خواصّها . ولكن ا تّفق لها فى ذلك اللسان إنْ كانت أمورا
مشهورة ومعقولة لشهادة التسمية لها وهي عندنا معقولة لا مشهورة . فهذا
أحد ما يوجب أن تكون هذه المضادّة فصول الأسطقسّات .
[10] و الشىء الثانى أنّا نجد جميع هذه المضادّة التى هي تحت حسّ اللمس
الفاعلة مثل الرقّة و الغلظ واللزوجة والقحل والصلابة واللين وما أشبههما
متولّدة عن هذه وراجعة إليها . أمّا الأشياء الرقيقة اللطيفة فلمّا كان من شأنها
أن تملأ فرج الأشياء وأن تتشكّل بسهولة بشكل الحاوى كان بيّنا من أمرها أنّها
سهلة الانحصار من غيرها ، وهذا هو حدّ الرطوبة المتقدّم . فإذاً كان كلّ رقيق
رطبا وليس كلّ رطب رقيقا فالرقيقة من الرطوبة ، إذ كانت الرطوبة متقدّمة
عليها بالطبع . وإذا تبيّن أنّ اللطافة والرقّة من الرطوبة فظاهر أنّ مقابلها الذى
هو الغلظ من اليبس .

[Page 93] [11] وأمّا اللزج فإنّه ظاهر أيضا أنّه من الرطوبة . وذلك أنّ اللزوجة هي رطوبة
خالطها ما أوجب لها عسر تقسّم وانفعال . فكلّ لزج رطب، وليس كلّ رطب
لزجا . وإذا كانت اللزوجة من الرطوبة فظاهر أنّ مقابلها من اليبس وهو القحل .
[12] ‏وذلك أيضا ظاهر من أنّ القحل هو ما صار من اليبس الى غايته حتّى
انعقد لعدم الرطوبة .
[13] وكذلك الليّن هو من الرطوبة. وذلك أنّ الليّن هو ما كان مؤاتيا ، إلاّ أنّه
ليس يزول كما يزول الرطب ، فكلّ ليّن رطب وليس كلّ رطب ليّنا . ولذلك
كان اللين من الرطوبة لا الرطوبة من اللين . والصلابة أيضا من اليبس اذ كان
الصلب منعقدا والمنعقد يابس .
[14] ‏قال : والرطب واليابس يقال كلّ واحد منهما على أنحاء شتّى وكلّها
ترتقى إلى اليبوسة الأولى والرطوبة الأولى التى حدّدناها . فأمّا أنّهما يقالان
على أنحا ء شتّى فيدلّ على ذلك أنّ لكلّ واحد منهما أكثر من مقابل واحد ،
وذلك أنّ اليابس قد يقابله الرطب ويقابله الندى . فإذًا اليابس على عدد
الأشياء المقابلة له ، وكذلك الرطب يقابله اليابس والمنعقد . وأمّا أنّ جميع
هذه المتقابلات ترتقى إلى الأولى منها ، فهو بيّن من أنّه لمّا كان الندى يقابله
يابس ما وكذلك المبتلّ ، وكان الندى هو ما فى ظاهره رطوبة عرضية والمبتلّ
ما غارت الرطوبة فى عمقه ، فبيّن أنّ الندى والمبتلّ من الرطوبة الأولى . وإذا
كان ذلك كذلك فاليابس الذى يقابلها من اليبوسة الأولى .

[Page 94] [15] وكذلك أيضا إذا كانت الرطوبة تقال على ما له فى عمقه رطوبة طبيعية ،
وتقال على ما له فى عمقه رطوبة غريبة ، وهو المبلول . وكان المنعقد هو ما
عدم هذين النوعين من الرطوبة ، فواجب إذا كان المنعقد داخلا فى اليبوسة
الأولى أن يكون المبتلّة والرطبة داخلة فى الرطوبة الأولى .فقد تبيّن من هذا أنّ
جميع ما يقال عليه يابس ورطب راجع إلى اليابس الأوّل والرطب الأوّل ، وأنّ
سائر المتضادّات الفاعلة والمنفعلة فى حسّ اللمس راجعة إلى تلك المضادّات
الأربع . والإسكندر يقول إنّه إنمّا سكت عن التكاثف والتخلخل إمّا لأنّهما
تحت الثقيل والخفيف وإمّا لأنّهما تحت الصلب والليّن وسكت عن الخشونة
والملاسة لأنّ الخشونة تحت اليبس والملاسة تحت الرطوبة . وهذا ليس ببيان .
فإنّ الزجاج متخلخل وصلب ، والرخام أملس وليس برطب . وكذلك أيضا
الزجاج متخلخل ثقيل ، والسحاب متكاثف خفيف . ويشبه أن يكون إنّما
سكت عن التكاثف والتخلخل من قبل أنّهما كيفيتان غير فاعلتين وانّهما
تابعتان أيضا للحرارة والبرودة ، وسكت عن الخشونة لأنّ الخشونة تقال بالجملة
على يبوسة مفرطة فى سطح الشىء الخشن ، والملاسة على رطوبة ما فى
سطحه . ولذلك كانت الجنادل التى تتولّد فى الماء ، يابسة ولكن ملساء .
ويشبه أن يكون هذا هو الذى عناه الإسكندر .

[Page 95] فلمّا كنّا نجد المتضادّات التى فى هذا الجنس إمّا فاعلة و منفعلة و إمّا غير
فاعلة و لا منفعلة ، وكانت غير المنفعلة والفاعلة ليست يمكن أن تكون فصولا
للأسطقسّات ، وكانت الفاعلة والمنفعلة نجدها ترجع إلى تلك الأربع التى هي
الحرارة و اليبوسة والرطوبة والبرودة ،وكان يظهر من أمر هذه أنّها ليس ترجع
بعضها الى بعض ولا يتقدّم بعضها بعضا ، فمن البيّن أنّه ينبغى أن تكون
هذه الكيفيات الأربع هي فصول الأجسام الأول . وإذا كانت هذه الأربع ليس
يوجد بعضها مفردا عن بعض وإنّما توجد مركّبة ، فبين أنّه ينبغى أن يكون عدد
الأجسام التى هذه صور لها على عدد التراكيب الممكنة لهذه الكيفيات الأول .
[16] ولمّا كانت التراكيب المتولّدة عنها ستّة ، اثنان غير ممكنين وهما الحارّ البارد
واليابس الرطب ، وأربعة ممكنة وهو الحارّ اليابس والحارّ الرطب والبارد اليابس
والبارد الرطب ، فبيّن أنه يجب أن يكون عدد الأسطقسّات هذا العدد ، فتكون
الأسطقسّات أربعة : أحدها حارّ يابس والأخر حارّ رطب والثالث بارد رطب
والرابع بارد يابس . وهذا الذى أدّى إليه القول موافق لمّا يوجد بالحسّ فى هذه
الأجسام الأربعة أعنى الماء والنار والهواء والأرض . وذلك أنّ النار حارّة يابسة
والهواء حارّ رطب لأنّه بمنزلة البخار ، والماء بارد رطب ، والأرض باردة
يابسة . وإذا كان ذلك كذلك فيلزم عن ذلك أن تكون هذه الأجسام الأربعة هي
الأسطقسّات ، لا بعضها دون بعض ، كما فعل ذلك كثير من القدماء .

[Page 96] [17] فإنّ الذين جعلوا هذه الأجسام الأول أسطقسّات . اختلفوا فى عددها .
فبعضهم جعلها واحدا من هذه ، وبعضهم اثنين ، وبعضهم ثلاثة ، وبعضهم
الأربعة بأسرها . وكلّهم أجمعوا على أنّه لا يوجد أكثر من هذه . فأما الذين
جعلوا الأسطقسّ واحدا من هذه ثمّ جعلوا تولّد سائر الأشياء من ذلك الواحد
بالتخلخل والتكاثف فقد يلزمهم ضرورة أن يقولوا بأسطقسّين لأنّهم إذا قالوا
بالتكاثف والتخلخل فقد قالوا بالحرارة والبرودة ، وإذا كان هنالك ضدّان
فاعلان فهنالك منفعل وموضوع بالقوة .
[18] وأمّا الذين جعلوها اثنين ، كما فعل برمنيدس ، النار والأرض ، فإنّهم
جعلوا المتوسّط بين هذين اثنين وجعلوهما مختلطين من الطرفين ، أعنى الهوا ء
والماء . وكذلك أيضا الذين جعلوها ثلاثة فإنّهم جعلوا الوسط مختلطا من
الطرفين ، وهم الذين زادوا مع النار والأرض الهوا ء . وجعلهم إياها ثلاثة يشبه
جعل أفلاطون المبادئ الثلاثة الصغير والكبير والواحد ،

[Page 97] [19] و مَن جعلها ثلاثة ومَن جعلها اثنين متّفقون فى جعلهم فيها طرفين ووسطا ،
إلاّ أنّ من جعلها اتنين تكون المتوسّطة عنده اثنين ، ومن جعلها ثلاثة تكون
المتوسّطة عنده واحدا ، وكلّهم يضعون مضادّة واحدة وموضوعا واحدا لها . وأمّا
الذين جعلوها أربعة بمنزلة ابن دقليس فإنّه يردّها إلى مضادّة واحدة أعنى إلى
ضدّين اثنين . وذلك أنّه يجعل الضدّ الواحد النار والثانى الباقية كلّها .
فكلّهم لم يتجاوزوا عدد الأربعة ، وجعلوا فصولها المتضادّة الملموسة ، ولذلك
كانت هذه الأجسام ليست أسطقسّات أوْلى وإنّما هي مركّبة لا بسيطة .
[20] والأسطقسّات البسيطة هي التى منها تركّبت هذه ، وهي أشياء تشبه هذه
فى الكيفية لا أنّ هذه هي تلك بأعيانها . مثال ذلك أنّ الشئ البسيط فى
النار إنْ كان يشبه النار فَعَلى أنّه شئ ناري لا نار والشئ البسيط فى
الهواء إنْ كان يشبه الهواء فعلى أنّه هوائي لا هواء ، وكذلك الأمر فى سائرها .
[21] قال : ولمّا كانت النار هي الغاية فى الحرارة والجليد هو الغاية فى البرودة ،
إذ كان الغليان للنار والجمود للجليد ، والغليان والجمود نهايتان فى البعد ،
فواجب أن يكون الجليد هو ضدّ النار . فإذا كان الجليد جمود رطب بارد فواجب
أن يكون النار غليان حارّ يابس . ولكون هذين فى الغايتين لم يتولّد عن واحد
منهما شئ أصلاً أعنى الجليد والنار .

[Page 98] والإسكندر يقول إنّ هذا إنّما يوجد للنار التى هاهنا . وأمّا النار التى فى نهاية
المحيط فليست تلك فى غاية الحرارة والغليان . ولذلك كانت النار أكثر
الأسطقسّات سببا للتوليد وفى هذا نظر وسنفحص عنه .
[22 ‏قال : ولمّا كانت الأجسام البسيطة أربعة فإنّ اثنين منها عن طبيعة
الخفيف وهما الهواء والنار ، واثنين منها من طبيعة الثقيل وهما الماء والأرض
فالخفيف الذى فى الغاية هو النار ، والثقيل الذى فى الغاية هو الأرض ،
والماء والهواء اللذان بينهما فى طبيعة المتوسّط ، وكان أيضا واحد واحد من
الخفيفين ضدّ واحد واحد من الثقيلين ، فضدّ النار الماء وضدّ الهوا ء الأرض .
وذلك أنّ كلّ واحد من هذين يتضادّان بالكيفيتين اللتين بهما يتقوّمان ، والغير
متضادّ بكيفية واحدة .
[23] ويخصّ كلّ واحد من هذه الأربعة أنّه ينسب إليه أحد هذه الكيفيات الأربع
على الإطلاق ، وتوجد فيه فى الغاية . فالأرض هي فى اليبوسة أوْلى منها
بالبرودة ، والماء بالبرد أوْلى منه بالرطوبة ، والهواء أوْلى بالرطوبة منه
بالحرارة ، والنار أوْلى بالحرارة منها باليبوسة ، ولهذا السبب صارت الأجسام
الأوَل أربعة .

[Page 99]

الجملة الثانية

[24] وهذه الجملة فيها فصول أربعة :
الفصل الأوّل : يبيّن فيه أصناف تكوّن هذه الأسطقسّات الأربعة بعضها من
بعض ، إذ قد تبيّن أنّها متكوّنة بعضها من بعض .
‏الفصل الثاني : يبيّن فيه أنّه ليس لها موضوع بالفعل لا منها ولا خارجا أقدم
منها وهو الرأي الذى حكاه أوّلاً عن القدماء .
‏الفصل الثالث : يبيّن فيه أنّه ليس يمكن أن يكون منها واحد أو أكثر من واحد
بمنزلة المبدأ لسائرها فى الكون ، أعنى أن يكون منه سائر الباقية ولا يكون هو
من شىء منها بل الكون فيها دائر .
‏الفصل الرابع : يعاند فيه الذين يقولون إنّها ليس تتغيّر بعضها إلى بعض وَهُمْ
أشهر ذلك آل ابن دقليس . ولذلك يجعل قوله مقابل قولهم ويعدّد المحالات
التى تلزمهم في هذا القول في جميع الأمور الطبيعية .

[Page 100]

الفصل الأوّل

‏قال : ولمّا كان قد تبيّن فى الثالثة من السماء والعالم أنّ هذه الأجسام
البسيطة يتكوّن بعضها من بعض ، وإلاّ لما كان يوجد لا كون ولا فساد ، ومع
ذلك فتكونّها وفسادها ظاهر للحسّ . وذلك أنّ تكونّها وفسادها إنّما هو فى
الفصول المدركة لحسّ اللمس ، فقد ينبغى أن نخبر عن جهات تكوّن بعضها عن
بعض. وأوّلاً هل كلّ واحد منها يتكوّن عن كلّ واحد أم بعضها يمكن ذلك فيه وبعضها
لا يمكن فيه ، وهو ظاهر أنّه يجب أن يكون كلّ واحد منها يتكوّن من كلّ واحد.
وذلك أنّه يجب فى الأضداد أن يتكوّن بعضها من بعض وأن يتغيّر بعضها إلى
بعض على ما تبيّن من أمر الأشياء الفاعلة والمنفعلة . ولمّا كان كلّ واحد منها
يوجد له تضادّ عند كلّ واحد منها ، إذ كانت فصولها إنّما هي فى التضادّ ،
فمنها ما يضادّ بعضها بعضا بالفصلين اللذين بهما تَقَوَّما ، مثل النار والماء ،
فإنّهما يتضادّان بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، ومثل الهواء والأرض
يتضادّان بالرطوبة واليبوسة والبرودة والحرارة . ومنها ما يتضادّ بأحد فصليهما
اللذين يقوِّمانهما مثل الهواء والنار فإنّهما يتضادّان باليبوسة و الرطوبة فقط
ومثل الهواء والماء فإنّهما يتضادّان بالحرارة والبرودة فقط ومثل النار والأرض
فإنّهما يتضادّان بالبرودة والحرارة فقط وكذلك الماء والأرض يتضادّان بالرطوبة
واليبوسة فقط .

[Page 101] اذا كان كل واحد منها يضادّ كل واحد ، فواجب أن يتكوّن كلّ واحد منها من
كلّ واحد . واذ قد تبيّن أنّ كلّ واحد منها يتكوّن عن كلّ واحد ، فقد يوقف
بسهولة على جهات تكوّن بعضها من بعض .
[25] ‏فنقول إنّ هذه الأسطقسّات الأربعة لمّا كان منها ما يشترك فى فصل ويتضادّ
فى فصل ، وهذه هي المتتالية ، ومنها ما يتضادّ فى فصلين وهذه هي
الغير متتالية مثل النار والماء والهواء والأرض . ويجب أن يكون الكون
والفساد فيها على نوعين : أمّا بين التى تتضادّ بفصل واحد فبفساد مضادّة
واحدة ، مثال ذلك أنّ النار إنّما تتكوّن هوا ء بأن يفسد منها اليبوسة فقط وتبقى
الحرارة ، وهذا هو أسهلها تكوّنا إذ كان الفساد فيها فى مضادّة واحدة ،
[26] ‏وأمّا التى تتضادّ بفصلين فبفساد دينك الفصلين ، مثال ذلك أن النار إنّما
تتكوّن ماء بفساد الحرارة إلى البرودة واليبوسة الى الرطوبة. وهذا هو أعسر
الكونين فسادا إذ كان فى فصلين متضادّين . ولمّا كان أيضا كلّ واحد منهما
يتقوّم من فصلين أحدهما كيفية فاعلة والأخرى منفعلة ،

[Page 102] [27] ‏كانت تلك الكيفيتان ربّما عرض لهما أن يكون إحداهما فى أسطقسّ
والأخرى فى أسطقسّ آخر أمكن أيضا أن يكون هاهنا ضرب ثالث من الكون ،
وهو أن يتكوّن واحد منهما من اثنين ، إذا فسد من كلّ واحد منهما الكيفية
المضادّة لذلك الأسطقسّ ، وبقيت الكيفية الخاصّة به . مثال ذلك إذا فسد من
النار اليبوسة ومن الماء البرودة تكون الهواء ، لأنّه يبقى من النار الحرارة ومن
الماء الرطوبة وهما فصلا الهواء . وهذا ليس يتفق فى كلها وإنّما يتّفق أن
يتكوّن واحد من اثنين إذا كان تلك الاثنان يتضادّان بفصليهما فيتكوّن من
النار والماء أرض وهوا ء ، ويتكوّن من الهواء والأرض ماء ونار ،
[28] ‏ويكون النار منهما موجودة حسّا فإنّ اللهيب إنّما هو دخان مشتعل
والدخان هو هواء وأرض .
[29] ‏وأمّا التى تتضادّ بفصل واحد وهي المتتالية فليس يمكن أن تتكوّن من
اثنين منها واحد . والسبب فى ذلك أنّه إذا فسد من هذا فصل ومن هذا فصل
فإنّه يبقى فصل واحد وإنْ فسد منها كليهما فصل واحد بقي فصلان
متضادّان. وليس يمكن أن يكون جسم من هذه من فصل واحد ولا من فصلين
متقابلين ، مثال ذلك أنّه إذا فسد من النار اليبس ومن الهواء الرطوبة بقيت
الحرارة مفردة،

[Page 103] فلم يمكن أن يحدث عنها شىء . وإنْ فسد منهما جميعا الحرارة بقيت الرطوبة
واليبوسة ، وذلك تركيب لا يكون منه شىء . وهذا الكون هو أعسر من الأوّل
وأسهل من الثانى ، أمّا أنّه أعسر من الأوّل فلأنّه فى كيفيتين ، وأمّا أنّه
أسهل من الثانى فلأنّ الكيفيتين المتغّيرتين فيه من شيئين وفى الثانى من
واحد . ولذلك أمّا في الثانى فهو فساد لفصلين وكون لفصلين وأمّا فى الثالث
فهو فساد لفصلين وليس كونا لفصلين بل إنّما هو تزيّد لأحدهما وتنقّص للثانى.
ومثال ذلك أنّه إذا تكوّن من الماء والنار أرض فقد فسدت الحرارة التى فى
النار وبقيت البرودة للماء ، وفسدت رطوبة الماء وبقي يبس النار .
[30] ‏ فقد تبيّن من هذا على كم وجه يمكن أن يتكوّن كلّ من كلّ وعلى أيّ
وجه ليس يمكن ذلك وأنّه ليس يمكن أن يتكوّن واحد من ثلاثة ولا واحد من
اثنين متوالية بل من اثنين غير متوالية .

[Page 104]

الفصل الثانى

[31] قال : وليس يقتصر على هذا النظر فيها فقط بل ننظر فيها من وجوه آخر
فنقول : إنْ كان شىء من الأجسام الطبيعية موضوعا لهذه فواجب أن يكون إمّا
ليس واحد من هذه الأربعة وإمّا واحد من هذه الأربعة كما ظنّ قوم فى الماء
والهوا ء وما أشبههما . فإنْ كان منها فقد يجب أن تكون إمّا واحدا منها وإمّا
أكثر من واحد ، فإنْ كان واحدا كأنّك قلت نارا أو هواء أو ماء أو أرضا فإمّا
أن يبقى ذلك الواحد عندما يتغيّر إليه وإمّا ألاّ يبقى ولا يثبت . فإنْ لم يثبت
وتنحّى فليس بأسطقسّ . وذلك أنّ الأسطقسّ من شأنه أن يثبت إذ كان جزءا
من الشىء الذى هو له أسطقسّ . وإنْ كان يثبت قد يلزم عن ذلك أن يكون
سائرها بالفعل ذلك الشىء الموضوع ، فإنْ كان هواء كانت كلّها هواء وإنْ كان
ماء كانت كلّها ماء . وإذا كانت كلّها تتغير وكان التغير إلى الضدّ والموضوع
لتلك الأضداد ثابت وموجود بالفعل ، فواجب أن يكون تغيرها إنّما هو استحالة
لا تكون ، وذلك شنيع . وأيضا فإنّه إذا كانت مثلا النار نارا وهواء معا ،
والماء ماء وهواء معا ، إذا قلنا مثلا إنّ الهواء هو الموضوع لجميعها ، لزم أن
يوجد المتضادّان فى موضوع واحد .

[Page 105] و ذلك أنّه لمّا كان كلّ واحد منهما يتغيّر إلى ذلك الواحد الذى هو الهوا ء مثلا
ومن ذلك الواحد ، وكان كلّ تغيّر إنّما يكون بمضادةّ إحداهما في المتغيّر منه
والثانية فى المتغيّر إليه ، ولنضع أنّ الهواء هو ذلك الواحد الموضوع ، ولنضع
أنّ المضادّة التى بين الهواء والنار التى إحداهما فى النار والثانية فى الهواء
هي حرارة فى النار وبرودة فى الهوا ء أو يبوسة فى النار ورطوبة فى الهواء
علي ما هو موجود من أمرهما . فإذا تغيّرت النار إلى الهواء فإنّما يكون ذلك
بأن تتغيّر اليبوسة إلى تلك الرطوبة إذ كان الهوا ء شيئا رطبا والنار يابسة .
وإذا كان ذلك كذلك فليس يمكن إذا تغيّر الهواء نارا أن يكون النار نارا وهواء
معا ، لأنّه يلزم أن يكون الشىء يابسا رطبا معا وذلك محال . وإذا كان ذلك
كذلك فالشىء الموضوع لهما هو ضرورة شىء غير موجود بالفعل وهو الهيولى
المشتركة . وهذا بعينه يلزم إنْ كان الموضوع لها أكثر من واحد منها .
[32] ‏وكذلك لا يمكن أيضا أن يكون هاهنا جسم آخر غيرها منه كونها ، كأنّك
قلت جسم متوسّط بين الهواء والماء وبين الهواء والنار أغلظ من الهواء وأرقّ
من الماء أو أرقّ من الهوا ه وأغلظ من النار لأنّه يكون ذلك الجسم هواء ونارا
معا وهواء وماء معا فيوجد فيه التضادّان معا على ما تبيّن إذا كان الموضوع
واحدا منها .

[Page 106] ويلزم أن يكون الشىء موجودا معدوما معا إذ كان أحد المتضادّة الموجود بين
اثنين من هذه هو عدم . وذلك أنّ البرودة عدم الحرارة واليبوسة عدم الرطوبة .
وإنّما لزم ذلك لأنّه إذا وضع متوسّط ما بين طرفين متضادّين ، ووضع التوسّط
إنّما يخالف بالأقلّ والأكثر لا أنّ له طبيعة غير طبيعتها ، فما وضع فى هذا
الرّأي أنّه إنّما يخالفها باللطافة والغلظ ، فواجب أن يكون المتوسّط من طبيعة
الطرفين فيوجد فيه المتضادّان معا وذلك محال . وهذا معنى قوله إنّه إنْ كان
هاهنا موضوع بين الهوا ء والنار إنّه يلزم أن يكون هواء ونارا معا . وذلك أنّه
إنْ كان إنّما يخالف النار بأنّه أغلظ من النار هو نار غليظة وإنْ كان إنّما يخالف
الهوا ء بأنّه ألطف منه فهو هواء لطيف ، وقد كان نارا غليظة فهو نار غليظة
وهواء لطيف و ذلك مستحيل . وأيضا فإنّه لا يمكن فى هذا الجسم المتوسّط أن
يكون فى وقت من الأوقات قائما منفردا بنفسه كما يقول ذلك فيه قوم أنّه قائم
بنفسه وإنّه غير متناه وحاصر و محيط . فنحن بين أحد أمرين إمّا أن نضع
واحدا منها أيّ واحد اتّفق عنصرا لكلّها وتلزمنا هذه الحالات كلّها ، وإمّا أن
نضع أنّه ولا واحد منها يمكن أن يكون بهذه الصفة .
[33] ‏ ‏واذ قد تبيّن أنه ليس جسم محسوس أقدم من هذه فواجب أن تكون كلّها
أوّل الأجسام المحسوسة .

[Page 107]

الفصل الثالث

قال : وبالجملة فقد يجب أن نقول فى هذه الأسطقسّات إمّا أن لا يكون فيها
تغيّرٌ أصلاً إلى واحد ، وإمّا أن يكون فيها تغيّر . فإنْ كان فيها تغيّر فإمّا أن
يكون من بعضها إلى بعض كما قال أفلاطون إنّ الثلاثة لا تتغيّر إلى الأرض
ولا الأرض إليها من قِبَل المثلّثات التي تبقى فضلا ، على ما قيل فى السماء
والعالم وإمّا أن يكون من كلّ واحد إلى كلّ واحد .
[34] ‏لكن قد تبيّن فيما سلف أنّه واجب أن يتغيّر كلّ واحد إلى كلّ واحد
‏ ضرورة . وتبيّن مع ذلك على كم وجه يتغيّر وأنه ليس تغيّرُ بعضها إلى بعض
فى السهولة والسرعة سواء وأنّ التي تتضادّ فى كيفيتين أعسر من التى
تتضادّ بواحدة وتتّفق فى واحدة . والذى بقي هو أن يبيّن أنّه ليس تغيّر كلّ
واحد منها إلى كلّ واحد على أن يكون فيها ما هو أسطقسّ ومبدأ لكون
الباقية حتّى يكون تغيّر تلك الباقية عنه تركيبا وتغيّرها إليه أنحلالا على
جهة ما يوجد الأمر فى المركّبات مع الأسطقسّ .

[Page 108] [35] ‏وذلك أنّه قد تبيّن أنه ليس تغيّر بعضها إلى بعض على أنّ واحدا منها
موضوع لسائرها . فالذى بقي أن يُبَيَّن أنّه أيضا ولا واحد منها أسطقسّ
للباقية، أعنى أنّه ليس فيها مبدأ للتغيّر ونهاية بل تغيّر بعضها إلى بعض
هو على وتيرة واحدة والموضوع لها هو شىء بالقوة . وإنّما فحص هنا عن هذا
الفحص لأنّ هذا قد قال به كثير من القدماء . والذين قالوا بذلك فرقتان :
فرقة رأت أن الأسطقسّ لها هو واحد من الأسطقسّات التى فى الطرفين إمّا نار
وإمّا أرض. وفرقة رأت أنّه واحد من التى فى الوسط إمّا هواء وإمّا ماء .
فنقول أنّ القول بأنّ الأسطقسّ لها هو إمّا نار أو أرض شبيه بقول من قال إنّها
كلّها تكون من النار أو من الأرض على أنّ النار أو الأرض موضوعة لهما
بالفعل. وذلك أنّه فى كلا القولين يلزم أن تكون كلّها نارا أو أرضا ، إلاّ أن
فى ذلك القول تكون كلّها نارا بالفعل أو أرضا بالفعل ، وفى هذا القول تكون
كّلّها نارا متغيّرة أو أرضا متغيّرة . وكذلك يلزم هذه الشناعة من قال إنّ
‏الأسطقسّ لها هو أحد المتوسّطات ، فأمّا أن يكون فيها متوسّط يتغيّر إلى
الطرفين ولا تتغيّر الأطراف بعضها إلى بعض على ما يراه قوم من أنّ الهوا ء
يتغيّر إلى الماء وإلى النار ولا يتغيّر النار إلى الماء .

[Page 109] فذلك يظهر أنّه غير ممكن على هذه الجهة وذلك أنّ الهواء إذا تغيّر إلى النار
فبينهما ضرورة مضادّة إحداهما فى النار والأخرى في الهوا ء ولتكن المضادّة
التى فى النار يبوسة والتى فى الهواء رطوبة. وكذلك أيضا إذا فرضناه يتغيّر
إلى الماء فبَيْنهما أيضا مضادّة وهذه المضادّة يلزم أن تكون غير المضادّة التى
بينه وبين النار . وإلاّ كان الماء هو النار بعينه . فلتكن هذه المضادّة أمّا فى
الهواء فحرارة وأمّا فى الماء فبرودة . وإذا كان ذلك كذلك فيكون الهواء حارّا
رطبا . إلاّ أنّه لمّا كان يضادّ النار باليبس وجب أن يوافقها بما ضادّ به الماء
وهي الحرارة ، فتكون النار حارّة يابسة ضرورة . وكذلك يلزم أن تكون الرطوبة
التى ضادّ بها النار أن يوافق بها الماء إذا تغيّر إليه فيكون ثابتة في التغيّر
ومشتركة لهما . ويوجد فى الماء مضادّتان وهما الرطوبة والبرودة ، وقد كانت
فى النار الحرارة مقابلتها واليبوسة ، فواجب أن يكون النار تتغيّر إلى الماء لأنّ
الأشياء التى بينها مضادّة فواجب أن يتغيّر بعضها إلى بعض . ولمّا كان
الهواء أيضا على هذا الرأي أسطقسّا لجميعها وجب أيضا أن يتغيّر إلى
الأرض فيكون بينه وبين الأرض مضادّة أخرى .

[Page 110] لمّا كان الهوا ء حارّا رطبا وكان يضادّ الماء بالحرارة والنار بالرطوبة فواجب أن
يضادّ الأرض بالكيفيتين جميعا وهي الرطوبة والحرارة . فتكون الأرض باردة
يابسة لأنّه إنْ ضادّها بإحدى الكيفيتين كانت الأرض إمّا نارا أو ماء.
فإنْ كانت الأجسام أكثر من أربعة وجب أن تكون المضادّة أكثر من اثنتين .
وذلك أنّه واجب أن يكون للمضادّة الواحدة جسمان ، وللاثنتين أربعة . وكلّما
زاد جسم زادت مضادّة ووجد فى كل واحد منهما مضادّة واحدة . فلنضع أنّ
جسما خامسا يضادّ الأرض بالسواد والبياض على أن يكون السواد فى
الأرض والبياض فى ذلك الجسم . وإذا كان ذلك كذلك فذلك الجسم يوافق
الأرض فى البرودة واليبوسة فهو أبيض بارد يابس والأرض سوداء باردة
يابسة. ولأنّ الأرض توافق كلّ واحدة من الثلاث بما ضادّت به ذلك الجسم
الخامس فكلّها موجود فيها السواد فيكون النار يضادّ ذلك الجسم الخامس
بالسواد والبياض . فمن هنا يظنّ أنّه إنْ كانت الأطراف متناهية ومحدودة أنّه
ليس يمكن ألاّ تتغيّر الأطراف بعضها إلى بعض . وسوا ء كان المبدأ هو أحد
المتوسّطات أو أحد الأطراف فيلزم ضرورة أن يكون بعضها من بعض دورا .

[Page 111] [36] فإنْ قال قائل أنّه قد يمكن أن يكون التغيّر من بعضها إلى بعض على
استقامة ولا يعود التكوّن دورا ، مثل أن يتغيّر الأرض إلى الهواء والهواء
إلى الماء والماء إلى النار والنار إلى جسم خامس والخامس إلى سادس وكذلك
إلى غير نهاية من غير أن ينعطف ويعود دورا ، فقد يلزمه أن يكون ذلك
الجسم الخامس وذلك السادس، أو أيّ جسم أشَرْنا إليه ، يعود فيتغيّر من الذى
قبله بالبرهان المتقدّم . لكن لننزل أنّه لم يتبيّن ذلك ولنسلّم أنّها لا تعود
فتتغيّر دورا وإنْ كان قد تبيّن ولنبيّن أنّه لا يمكن أن يَمُرّ التغيّر فيها على
استقامة . فإنّه إذا بان امتناع ذلك وجب أن يعود دورا لأنّ التغيّر الدائم إنْ لم
يكن مستقيما فهو ضرورة دورا . فأقول إنّه إنْ كانت النار تتغيّر إلى جسم
خامس والخامس إلى سادس ولا يعود التغيّر ، فقد يجب أن يكون بين النار
وذلك الجسم مضادّة ثالثة أحد فصليها فى النار ، فيكون فى النار ثلاثة
فصول وكذلك فى كلّ واحد ممّا قبل النار . ولننزل أنّ الفصل الثانى منهما وهو
الذى فى الجسم الخامس، غير موجود فى واحد ممّا قبل النار ، إذ قد سلّمنا لهم
أنّ الجسم المتأخّر لا يتغيّر إلى ما قبله ، وان فرضنا جسما سادسا لزم أن يكون
بينه وبين الخامس مضادّة رابعة تكون أحد فصليها فى الخامس وفى كلّ ما
قبله ، فيكون فى كل واحد من الخمسة أربعة فصول .

[Page 112] وكذلك كلّما زدنا جسما زادت الفصول فيما قبله . فإنْ كانت الأجسام غير
متناهية لزم أن يوجد فى كلّ واحد منها فصول غير متناهية . وإذا كان ذلك
كذلك فليس يمكن كون واحد منها ولا فساده ، لأنّ كونه لا ينقضى إلاّ بانقضاء
ما لا نهاية له ، وما لا نهاية له غير منقض ، فكونه وفساده غير منقض .
فيلزم عن ذلك ألاّ يكون فيها تغيّرٌ أصلاً من هذه الجهة ومن جهة أخرى . وذلك
أنّها لمّا كانت غير متناهية من الطرفين وجب ألاّ يتغيّر واحد منها حتى يتغيّر
قبلها أشياء لا نهاية لها ، وذلك غير منقض . وأيضا إذا كانت المضادّات قبل
الأسطقسّ الواحد الغير متناهية غير مضادّة للمضادّة التى بعده الغير متناهية
أيضا وجب أن تكون متّفقة . فتكون فصول الأجسام التى قبله هي بعينها
فصول الأجسام التى بعده فتكون تلك الأجسام واحدة بالنوع . وإنّما يلزم ذلك
لأنّه إذا كان الطرفان يضادّان الوسط ولا يتضادّان، فَهُما يضادّانه بمضادّة واحدة
والشيئان اللذان يضادّان شيئا واحدا بمضادّة واحدة هما من نوع واحد .

[Page 113]

الفصل الرابع

[37] ‏ولمّا فرغ من معاندة الآراء التى يمكن أن يقال فيها إنّ بعض الأسطقسّات
لا تتغيّر إلى بعض ، عاد إلى معاندة من يقول إنّه ولا واحد منها يتغيّر إلى
الآخر ، فجعل قوله قبالة ابن دقليس إذ كان هو أشهر من يقول بهذا . فقال
وأنا لأعجب من قول من يقول إنّ الأسطقسّات كثيرة ويقول مع هذا إنّها غير
متغيّرة بعضها إلى بعض لأنّها متعادلة ومتساوية فى القوة ، وذلك أنّ
الأشياء المتعادلة والمتساوية إمّا أن تكون متساوية فى الكميّة أو فى الكيفية
الواحدة بعينها أو فى الكيفيات المتضادّة على طريق النسبة مثل أنّ هذا
الشىء يسخن كما هذا يبرد إلاّ أنّ هذا التساوى الذى يوجد على طريق النسبة
إنّما يقال له تشابه لا تساوى . ولذلك ليس نرى أنّ ابن دقـليس عنى هذا النوع
من التساوى ، وهو يعدّله على أنّه لم يستعمل هذا النوع من التساوى . وذلك
أنّ بهذا النوع فقط من التساوى يمكن أن يدّعي مدّع أنّها تبقى غير متغيّرة .
فأمّا بالنوعين الأوّلين فلا يمكن أن تنحفظ .

[Page 114] وذلك أنّ التعادل الذى يوجد لها من قبل الكمّية أو من قبل الكيفية إنّما يوجد
لها من جهة ما هي من جنس واحد مشتركة فى مادّة واحدة . وإذا كان التغيّر
لها إنّما هو من جهة ما هي مختلفة لا من جهة ما هي متفقة ، فلا معني لذلك
التعادل إذ كان إنّما هو من باب الاتفاق . وذلك أنه إنْ قلنا أن أوقية واحدة من
الماء تساوى فى الكمية عشر أواقى من الهواء ، فذلك لا يكون إلا بأنّ
يتصوّر هاهنا شىء موضوعا لهما مشتركا ، كأنّك قلت إذا امتدّ وتخلخل صار
هواء واذا تكاثف وانقبض صار ماء . ومثل هذا التعادل لا يفيد شيئا فتكون
المختلفة غير متغيّرة ، لأنّ هذا التعادل إنّما هو من جهة الاتّفاق لا من جهة
الاختلاف . وإنْ قلنا أنّها متعادلة فى الكيفية المشتركة كما يظهر من قول ابن
دقليس أنّه يريد بهذا المعنى مثل أن يقول أنّ الحرارة التى فى جزء من النار
مساوية للحرارة التى فى عشرة أجزا ء من الهواء ، فمن البيّن أنّ هذا النوع
من التساوى إنّما يوجد من جهة ما هي مشتركة فى هيولى واحدة من جنس
واحد ، فإنّ الأقلّ و الأكثر والمتساوى هي من جنس واحد . وإذا كان ذلك كذلك
فليس هذا النوع من التعادل والتساوى مغنيا فى ثباتها ، لأنّ تغيّر النار إلى
الهوا ء إنّما هو بأنّ هذه يابسة وهذا رطب. فمن هذه الجهة قد كان ينبغى لمن يقول
إنّها غير متغيّرة أن يروم إعطاء التعادل بينها . وهذا التعادل إنّما يوجد لها فى
الكلّ لا فى الأجزاء. ولذلك نقول نحن إنّها غير متغيّرة بالكلّية متغيّرة. بالأجزاء .

[Page 115] [38] ‏قال : وقد يلزم ابن دقليس شناعات كثيرة فى مذهبه ممّا يرى وفى غير
ذلك . أمّا أولاّ فإنّه لا يكون النمو على رأيه إلاّ زيادة على النامى وتراكما
فقط . وذلك أنّه يقول إنّ النار إنّما تنمو بالنار والأرض بالأرض والأثير
بالأثير، وهذا إنّما هو زيادة لا نمو . فإنّ النمو إنّما يكون بطريق الاستحالة على
ما تبيّن .
[39] ‏ وأصعب من هذا عليه وأشنع أن يقول لمّا كانت الأشياء المتكوّنة بالطبع
يوجد لها التكوّن إمّا دائما وإمّا على الأكثر ، وذلك إنّما يكون من تلقاء نفسه
ومن الاتّفاق الذى يجعله هو سببا قريبا لحدوث الأشياء فأنه إنّما يكون سببا لِما
يحدث على الأقلّ . فما السبب عنده يا ليت شعرى فى أن يكون من الإنسان
أبداً إنسان دائما ومن الحنطة حنطة لا زيتونة .
[40] ‏وما السبب فى أن صارت أعظام المتكوّنات من الأسطقسّات محدودة فى
نوع نوع وجنس جنس ؟ وذلك أنّ الاجتماع الذى يكون على طر يق الجزاف كما
يقول هو ليس يكون سببا لحدوث هذه الأشياء الذى يخصّ كل واحد منهم ضربة
من التركيب والنسبة توجد دائما فى واحد واحد منها ومحفوظة . ولا يمكنه
أيضا أن يقول أنّ سبب هذا التركيب الخاصّ بموجود موجود هو الأسطقسّات ،
ولا المحبّة ولا العداوة .

[Page 116] [41] وذلك أنّ المحبّة إنّما هي عنده سبب الاجتماع والعداوة سبب الافتراق . وأمّا
الأ سطقسّات فهي المجتمعة والمفترقة فلم يَقُل إذاً شيئا فى سبب اختلاط
اختلاط واجتماع اجتماع من جهة ما هو دائما أو على الأكثر الذى هو طبيعة
كلّ واحد من الأشيا ء وجوهرها . فليس يقول إذاً شيئا في أمر طبائع الأشياء .
فإنّ وجود هذه الأشياء إنّما هو على جهة وجود الأفضل والأوْلى لا على جهة
الاختلاط والجزاف الذى يحمده هو . ومن الشنيع أيضا أن تكون الأسطقسّات
والمحبّة عنده أقدم من الآلهة . وذلك أنّ الآلهة عنده هي الكرة السماوية ، وهي
مركّبة عنده من الأ سطقسّات واجتماعها عن المحبّة . ولذلك يذمّ العداوة إذ
كانت عنده مفسدة للآلهة ومفرّقة لها . وقد يلزم أن تكون المحبّة مفرّقة . وذلك
أنّها إذا كانت سبب اختلاط الأسطقسّات فهي السبب فى زوال فصولها وذلك
تفريق لا جمع .
[42] ‏وكذلك أيضا لم يأت فى أمر الحركة بشىء ولا قال فى طبيعتها قولا .
فأنّه ليس يكفى معرفة طبيعتها أن يقال أنّ العداوة والمحبّة يحرّكان حتّى يقال
ما الحركة التى تحرّكها العداوة وما الحركة التى تحرّكها المحبّة . فقد كان يجب
أن يقال فى ذلك إمّا قولا مستقصىً وإمّا قولا مقنعا .

[Page 117] [43] ‏وأيضا فلّما كنّا نجد لكلّ واحد من الأسقطسّات حركة قسرية فيوجد لكلّ
واحد منها ضدّها وهي الحركة الطبيعية . وذلك أنّ الحركة الطبيعية هي أقدم .
وإذا كان ذلك كذلك ، وكنّا نجد النار والأرض إنّما يجتمعان عندما تتحرّك
الأرض إلى فوق ويهبط النار إلى أسفل ، ويفترقان عندما تصعد النار ويهبط
الأرض ، والصعود للأرض والهبوط للنار قسري . فإن كانت العداوة هي سبب
الافتراق فى الأشياء على ما يقوله هذا الرجل والمحبّة سبب للاجتماع ، فالمحبّة
التى يمدحها ويقدّمها هي سبب الحركة القسرية المتأخرة والعداوة سبب الحركة
الطبيعية المتقدّمة . فالعداوة إذاً أوْلى بأن تكون سببا من المحبّة . وذلك شنيع
عنده
[44] فإن لم تكن المحبّة ولا العداوة سببا لهاتين الحركتين ، فليسا سببا لحركة
أصلاً . وإذا لم يكونا سببا للحركة فليس هنالك حركة أصلا ً. وأيضا فإنّا
نقول إنّ العالم لمّا كان قد تبيّن أنّه يتحرّك فى هذا الوقت عن وجود حركة
العداوة عنده ، وفى القديم عن وجود حركة المحبّة عنده بحركة واحدة وعلى
مثال واحد، فليس يمكن أن تكون العداوة ولا المحبّة سببا لهذه الحركة لأنّ هاتين
الحركتين اللتين سببهما العداوة والمحبّة هما حركتان متغايرتان لا يجتمعان معا
فى موضرع واحد في وقت واحد بل توجد هذه حينا وهذه حينا . فاذاً المحرّك
للحركة الواحدة في زمان تحريك العداوة وزمان تحريك المحبّة ليس هو المحبّة ولا
العداوة .

[Page 118] [45] ومن الشنيع أيضا قوله إنّ النفس يكون من الأسطقسّات ، وذلك أنّه لا
سبيل إلى أن يوفي أسباب أفعال النفس وانفعالاتها من الأسطقسّات لا من
واحد منها ولا أكثر من واحد منها ، مثل العلم والجهل والذكر والنسيان وغير
ذلك من أفعال النفس . وأيضا أن كانت النفس كما يقول قوم نارا أو خلطا من
النار ومن سائر الأسطقسّات ، فواجب أن يوجد فيها إمّا عوارض النار ولواحقها
وإمّا لواحق الجسمية . إلاّ أنّه ليس شىء من انفعالاتها منسوبا إلى انفعالات
الأجسام ، لكنّ النظر فى هذه الأشياء ليس من هذا الكتاب . فلنرجع إلى
حيث كنّا فيه من الأسطقسّات وننظر كيف تتولّد منها سائر الأشياء .

[Page 119]

الجملة الثالثة

وهذه الجملة فيها فصلان :
‏الفصل الأوّل : يخبر فيه عن جهة حدوث المركّبات عن الأسطقسّات .
الفصل الثانى : يبرهن فيه أنّ جميع المركّبات هي من الأسطقسّات الأربعة .
الفصل الأوّل

[46] ‏قال : أمّا من ظنّ أنّ الأسطقسّات التى منها قوام الأشياء وتركيبها لها
هيولى مشتركة أو أنّها تتغيّر بعضها إلى بعض ، فقد يجب عليه متى اعترف
بالهيولى المشتركة أن يعترف بتغيّر بعضها إلى بعض ، ومتى اعترف بالتغيّر
أن يعترف بالهيولى . وأمّا من لم يعترف بتكوّن بعضها من بعض وجعل تَوَلُّدَ
سائر المركّبات منها فإنّهم ليس يمكنهم أن يأتوا بجهة صحيحة فى كيفية تولّد
المركّبات من هذه البسائط ، مثل تولّد اللحم والعظم ، وتولّد البسائط عن
المركّبات على جهة الانحلال ،

[Page 120] إذ كان ليس يمكنهم أن يقولوا فى ذلك إلاّ جهة واحدة وهي جهة تركيب الحائط
من اللبن والحجارة وانتزاع اللبن والحجارة من الحائط . وهذا الوجه يلزمه
شناعات كثيرة إحداها ما تقدم وهو أن يكون الاختلاط تركيبا لأجزاء صغار إلاّ
أنها غير محسوسة فيكون ما هو اختلاط عند إنسان ليس هو اختلاط عند
إنسان آخر من هو أحدّ بصرا منه ،
[47] ‏وثانيا أنّه يلزمهم ألاّ يكون كلّ جزء من اللحم يتولّد منه ما ء ونار وهواء
وسائر الباقية كما هو المحسوس من أمرها . وذلك أنّه ليس كلّ جزء من أجزاء
الحائط يخرج منه لبن وحجارة بل اللبن يخرج من موضع منه والحجارة من
موضع آخر . فإنْ كان تولّد المتولّدات عنها تركيبا فإمّا ألاّ يتولد من كلّ جزء
من أجزاء اللحم ماء وأرض وإمّا أن يتولد فيجوز أن يداخل جسم جسما . ولو
كان انحلال المركّبات إلى الأسطقسّات بهذه الجهة لم يكن من ضرورة الكون
الاستحالة ولا كان بالجملة يوجد شىء فى باب الكيف . بل كلّ جزء كما يقول
أرسطو من اللحم يمكن أن يتولّد منه ماء كما كان يمكن أن يتولّد منه نار وسائر
الباقية مثلما أنّ الجزء من الشمع ممكن فيه على السواء أن يقبل شكلا
مخروطا وشكلا مستديرا وشكلا مستقيم الأضلاع ، وأنْ كان هذا إمكانا على
جهة القبول وذلك إمكان على جهة الانحلال .

[Page 121] [48] ‏وأمّا من يقول بتغيّر الأسطقسّات بعضها إلى بعض فقد يظنّ أنّه أيضا
يدخل عليه شكّ أكثر من هذا الشكّ . أمّا أولاّ فإنّ أولائك قد يمكنهم بجهة ما
أن يقولوا كيف تتولّد المركّبات منها وأمّا هؤلاء فلمّا كانوا يضعون تكوّن هذه
الأسطقسّات بعضها إلى بعض إنمّا هو من قبل الهيولى المشتركة . فقد يعسر
عليهم أن يأتوا بضرب آخر من التكوّن للّحم والعظم . فإنّه إنْ كان اللحم منها
جميعا أو من أكثر من واحد منها ، كأنّك قلت من الماء والنار ، فلا يخلو أن
يكون الماء والنار موجودين فى اللحم بالفعل فيكون تركيبا كما قال أهل
المذهب الأوّل ، وأمّا إنْ يكون حدوثه بفساد كلّ واحد منهما إلى الآخر فيكون
اللحم ماء ونارا ، وأمّا إنْ يكون حدوثه بفساد كلّ واحد منهما فيكون الحاصل
الباقى منهما إنّما هو الشىء المشترك لهما وهو المادّة الأولى الموجودة بالقوة وذلك
مستحيل .
‏وهذا الشكّ إنّما كان يلزم من قال إنّ حدوث الأجسام المركّبة من الأسطقسّات
يكون على جهة التغيّر لو كانت فصول الأسطقسّات الأول مثل الحرارة والبرودة لا
يقبلان الأقلّ والأنقص . فإنّه لوكان الأمر كذلك لوجب أن يكون كلّ تغيّر
يوجد لهما لا يحصل عنه إلاّ أحدهما أو الهيولى لو أمكنت فيها المفارقة .

[Page 122] وأمّا إذا قلنا إنّ الحارّ والبارد قد يكونان بإطلاق ويكونان أزيد وأنقص فنحن
نقول إنّ الذى يحدث ليس هو باردا على الإطلاق ولا حارّا على الإطلاق ولا
شيئا هو أيضا بالقوة حارّ ولا بارد ، بل نقول إنّه حارّ وبارد معا على جهة ما
نقول ذلك فى المتوسّطات ، حارّ بالإضافة إلى البارد المطلق الذى فى الغاية
وبارد بالإضافة إلى الحارّ المطلق الذى فى الغاية . وأمّا على أيّ جهة يكون
ذلك ، فهي الجهة التى تبيّن وجودها وهي جهة الاختلاط . فإنّ الاختلاط ليس
كونا مطلقا ولا هو أيضا استحالة ، وعلى هذه الجهة ليس هو تغيّر أحد
الضدّين إلى الثانى ولا تغيّرهما إلى الهيولى . بل يكون حدوث المركبات عن
الأسطقسّات على جهة الاختلاط وحدوث الأسطقسّات من المركبات على جهة
الانحلال وأنّها بالقوة تلك . لكن ليس معنى بالقوة هاهنا هي الهيولى
الأولى، إذ كانت المركّبات التى هي بالقوة ما ء ونار وأرض وهواء مثل اللحم
والعظم شيئا موجودا بالفعل ولا أيضا على حهة وجودها بالقوة فى
الأسطقسّات ، بل على جهة مقابلة ليست وجود الأسطقسّات بعضها فى بعض
بالقوة بل على جهة متوسّطة تشبه وجود الأجزاء فى المتّصل، أعنى كونها
أجزاء بالقوة حتّى إذا انقسم المتّصل صارت أجزاء بالفعل .

[Page 123] إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ هذه أجزاء من باب الكمّية وتلك أجزاء من باب
الكيفية . وأمّا الوجه الذى به يكون الاختلاط وما الأشياء المختلطة فقد قيل
فيما تقدّم . وأمّا كيف تكون الاختلاط للأشياء ، المتضادّة فإنّه يكون كما قيل
إذا لم يكن أحدهما غالبا للآخر ولا كانت قوة كلّ واحد منهما مساوية للآخر .
فإنّه إنْ كانت قوة أحدهما غالبة على الإطلاق للآخر كان ذلك فسادا للمغلوب
وكونا للغالب ، ومتى كانت قوة كلّ واحد منهما مساوية لصاحبه لم يحدث
هنالك صورة واحدة على ما تبيّن فى الرابعة من الآثار ، وكان فسادا لكليهما
فقط ، ومتى كانت قوة أحدهما ليست غالبة على الإطلاق بل غالبة مغلوبة
تولّد بينهما شىء وسط ، إلاّ أنّه يكون ضرورة أميل إلى طبيعة الغالب مثل
أن يكون فى حرارته أزيد من برده أو فى برده أزيد من حرارته . ولذلك كان
هذا الوسط مع أنّه أميل إلى أحد الطرفين له عرض ما قابل للأقلّ والأكثر .
ومن هنا يظهر لك امتناع وجود المزاج المعتدل الذى وضعه جالينوس ، أعنى
الاعتدال الذى بحسب الأطراف التى فى الغاية لا الاعتدال الذى بحسب
أطراف مزاج النوع . فإنّ هذا هو الذى ينظر فيه صناعة الطبّ .

[Page 124]

الفصل الثانى

[49] ‏قال : ولمّا كانت جميع الأجسام المتولّدة من الأسطقسّات فى المكان
الأوسط الذى هو مكان الأرض ، فواجب أن يكون الأرض جزءا منها لأنّ
الأشياء التى هي بالطبع فى موضع ما هي ضرورة إما ذلك الجسم الموجود فى
ذلك الموضع أو شىء غالب عليه ذلك الجسم . ولذلك وجب أن تكون الأجسام
الموجودة فى المكان الوسط إما أرضا وإما أرضية . ولمّا كانت الأرض ليس
يمكن لموضع يبسها أن تقبل الشكل والانحصار من غيرها وكان الماء هو الذى
يمكن فيه ذلك ، كان واجبا أن يكون الماء أيضا جزءا من الأشياء المتكوّنة .
وأيضا فإنّ المتكوّن لمّا كان بالاختلاط والاختلاط إنّما يكون بالرطوبة وجب
أيضا لذلك أن يكون الماء جزءا من الأشياء المتولّدة على جهة الاختلاط . وإذا
وجد فى جميع المركّبات هذان الأسطقسّان ، فواجب أن يوجد الأ سطقسّان
الآخرأن فيها أيضا اللذان هما أضداد لهذين وهو النار والهواء ، وإلاّ لم يوجد
هذين فى المركّبين بحال أنقص . مثال ذلك أنّه إنْ لم يكن فى المركّب شىء حارّ
فَلَنْ يوجد فيه بارد إلاّ فى الغاية . فلذلك ما يجب إذا وجد الماء والأرض فى
المركّبات لا على كيفياتها التى هي فى الغاية بل أنقص أن يوجد فيها
الضدّان الآخران اللذان منها انكسرت كيفياتها الأول فى المركّبات ، أعنى
الهواء والنار فالأسطقسّات الأربعة ضرورة موجودة فى كلّ مركّب .

[Page 125] [50] ‏ قال : وممّا يدل على ذلك الغذاء الذى يغتذى به النبات ، فإنّه يظهر أنّ
النبات إنّما يغتذى بالماء والأرض . ولذلك صار الأكّارون يخلطونهما عند
الزراعة . وإذا كان فيه الماء والأرض ففيه الأسطقسّان الباقيأن . وإذا كان
الحيوان مغتذى بالنبات ففيه أيضا الأسطقسّات كلّها والمغتذى أيضا ظاهر من
أمره أنّه إنّما يتم له الاغتذاء بالحرارة الفاعلة التى فيه فى المادّة الواردة عليه .
فإنّ الحرارة تتنزّل من الغذاء الوارد عليها منزلة الصورة من الهيولى . ولهذا
وجب للنار من بين سائر الأسطقسّات أن يظنّ بها أنّها تغتذى من غيرها من
الأسطقسّات مع أنّ كلّ واحد منها يستحيل إلى ضدّه ، أعنى من جهة أنّ
نسبتها من سائر الأسطقسّات نسبة الصورة من الهيولى إذ كانت حاوية لجميع
الأسطقسّات على ما قيل فى السماء والعالم . ذلك أنّها حاوية من قبل أنّها
تتحرّك إلى الموضع الحاوى ، وهو مقعّر فلك القمر . والحاوى يتنزّل منزلة
الصورة من قبل أنّه الذى إليه تنتهى الحركة وهذه هي حال الصورة . فقد تبيّن
من هذا أنّ جميع الأجسام مركّبة من جميع هذه الأربعة الأجسام المسمّاة
أسطقسّات .

[Page 126]

الجملة الرابعة

وهذه الجملة فيها فصلان :
الفصل الأوّل : يبيّن فيه جميع الأسباب العامّة لما يكون ويفسد .
الفصل الثانى : يبيّن فيه على أيّ جهة يوجد ضرورة الإتّصال فى الكون .
الفصل الأوّل

[51] ‏قال أرسطو : ولمّا كانت هاهنا أمور كائنة فاسدة وذلك فيما دون فلك
القمر، فقد ينبغى أن نبيّن كم عدد المبادئ المشتركة العامّة لجميع ما يكون
ويفسد ، وما هي ، فإنّ بوقوفنا على ذلك يكون وقوفنا على أسباب واحد
واحد من الجزئيات التى تكون وتفسد أسهلَ إذ كان المسير من العامّة إلى
الخاصّة هو الطريق الأعرف بالطبع عندنا على ما قيل فى غير هذا الموضع .
فنقول إنّ المبادئ فى الأجسام الغير متكوّنة والأجسام الكائنة واحدة بالعدد
متّفقة بالجنس ، وإنْ كانت مقولة بتقديم وتأخير .

[Page 127] وهي بالجملة ثلاثة ، ألمادّة والصورة والفاعل . وذلك أنّ هذين السببين لا يكفيان
فى الأمور الكائنة الفاسدة دون السبب الفاعل المحرّك كما لا يكفيان فى
الأجسام الأزلية إلاّ أنّ هذه هي فى الأجسام الأزلية والأجسام الكائنة الفاسدة
كما قلنا غير متّفقة إلاّ بالجنس المقول بتقديم وتأخير . فإنّها لو كانت مقولة
بالجنس المتواطئ للزم فى جميعها أن تكون كائنة فاسدة . والسبب الذى يجرى
مجرى الهيولى للأجسام الكائنة الفاسدة هو الشىء الذى فيه إمكان أن يوجد
الشىء وألاّ يوجد . والأشياء التى يمكن فيها أن توجد وألاّ توجد هي الأمور
الكائنة الفاسدة لأنّ الأثياء توجد على ثلاثة أضرب : بعضها موجود دائما
وبعضها معدوم دائما وبعضها موجود فى وقت معدوم فى آخر . وهذه غير كلّ
واحدة من ذينك . وذلك أنّ ما كان موجودا دائما فليس يمكن فيه أن يعدم فى
وقت من الأوقات ، وما كان معدوما دائما فليس يمكن فيه أيضا أن يوجد فى
وقت من الأوقات . وإذا كانت الأشياء الكائنة الفاسدة هي بهذه الحال ،
فالأشياء التى بهذه الحال هي الموجود لها الإمكان . فالأشياء الكائنة الفاسدة
أحد آسبابها ضرورة هو الشىء القابل للإمكان . ولمّا كان الشىء القابل للإمكان
هو السبب الهيولاني فأحد أسباب الكائنة الفاسدة هو السبب الهيولاني
ضرورة . وأمّا السبب الذى يجرى مجرى الخلقة والصورة وهو الغاية فى الكون
فينبغى أيضا أن يكون سببا ثانيا لهذا السبب .

[Page 128] [52] وكذلك أيضا السبب الثالث ينبغي أن يضاف إليها ، وهو السبب الفاعل
الذى أغفل القدماء ذكره . فإنّ منهم من اكتفي بالسبب الذى على طريق
الصورة عن هذا السبب . وقالوا إنّ للأشياء صورا وماهيات مفارقة وإنّ كون
هذه الأمور المحسوسة إنّما هو عن المادّة القابلة وهذه الصورة الفاعلة المفارقة
وإنّما هي التى تحرّك صور هذه الأشياء المحسوسة فى الموادّ بمنزلة أفلاطون .
ومنهم من اكتفى بالسبب الهيولاني فقط وهو الحارّ والبارد والرطب واليابس .
فقال إنّ صور هذه الأشياء إنّما تحدث عن اختلاط هذه وامتزاجها من قبل ذاتها
فقط لا من قبل محرّك لها من خارج . قالوا : وذلك أنّ الكون إنّما هو تغيّر ومبدأ
التغيّر إنّما هو الهيولى . وهو يعيب كلا الفريقين ولكن يقول إنّ من اكتفى
بالسبب الهيولاني فقط فنظره أشدّ مناسبة إذ كان قد أعطى مبدأ للتغيّر من
جهة ما هو مبدأ تغيّر . وأمّا أولئك فإنّهم أعطوا في التغيّر مبدأ غير مناسب
للتغيّر . وذلك أنّ الصورة هي التى إذا وجدت كفّ التغيّر لأنّها سبب التغيّر
وهو يعاند القائلين بأنّ الصور هي الأسباب الفاعلة القريبة .

[Page 129] فإنّه لو كان الأمركما يعتقدون من غير أن يكون هاهنا حاجة لإدخال سبب
ثالث للزم أن يكون التكوّن دائما متّصلا ولا يخلّ في نوع من أنواع ، لأنّه إذا
كانت الصورة موجودة والقابل موجود فما بال الشىء يحدث فى وقت دون
وقت. ولذلك ما يجب إنْ كانت هاهنا صورة حادثة أن يكون سبب فاعل أقدم
منها بالطبع . وأيضا فقد نجد هاهنا أشياء الفاعل فيها غير القابل وغير
الصورة . مثال ذلك الصحّة المتكوّنة عن صناعة الطبّ في بدن الإنسان، فإنّ
الطبيب الذى يفعلها هو غير الصحّة وغير القابل لها . فإنّ الصحّة غير
الصناعة والقابل أمر ثالث . وكذلك الأمر في جميع الصنائع الفاعلة وهو ليس
يعذل هنا أفلاطون على أنّ الصورة سبب فاعل على الإطلاق بل إنّما يعذله على
أنّها أسباب قريبة وبالذات أو مكتفية بنفسها فى جميع ما يحدث . فإنّه يضع
أيضا أنّ هاهنا صورة فاعلة وإنْ كان وجودها عنده على غير الجهة التى هي
عند أفلاطون فهو إنّما يخالف أفلاطون فى جهة وجود الصور وفى جهة فعلها
فقط لا فى وجودها على الإطلاق ولا فى فعلها علي الإطلاق .

[Page 130] [53] ‏وأمّا الذين يكتفون بالهيولى فقط فى جميع ما يكون فإنّه وإنْ كان نظرهم
أشدّ مناسبة فَهُم مخطئون أيضا . وذلك أنّهم يجعلون مبدأ القبول والانفعال هو
بعينه مبدأ الفعل والتحريك . وهو من الظاهر تغاير المبدأين فيما يحدث
بالصناعة وفيما يحدث بالطبيعة ، فإنّ الما ء لا يكون منه حيّ بذاته ولا الخشبة
يكون منها سرير من غير الصناعة . وبالجملة فيجب أن يكون الأمر فيما
.يحدث بالصناعة والطبيعة واحدا . وأيضا فإنّهم إذا رفعوا السبب الفاعل فقد
رفعوا السبب الصوري لأنّ الصورة إذا كان حدوثها عن نوع من الانفعال عرض
للهيولى فحدوثها يكون أقلّيا وبالعرض .
[54] ‏وَهُمْ بالجملة إنْ جعلوا هاهنا مبدأ فاعلا فإنّما يجعلون الفاعل الذى هو من
جنس الآلة لا الفاعل الذى هو من جنس الفاعل بالحقيقة ، إذ يرفعون الفاعل
الأوّل من الموجودات . وذلك أنّهم يقولون إنّه لمّا كان من شأن الحارّ أن يفّرّق
ويمّز ومن شأن البارد أن يجمع ويخلّط، وكذلك كلّ واحد من الأشياء
المحسوسة شأنه أن يفعل فى غيره وأن ينفعل منه ، فقد يكتفى فى كون
الأشياء وفسادها بفعل بعضها فى بعض وانفعال بعضها عن بعض . إلاّ أنّه
لمّا كنّا نرى أن النار التى يظهر من أمرها أنّها فاعلة جدّاً أكثر من سائر
العناصر ، إذا فعلت بطبعها فهي أحرى أن تُفْسِدَ الأشياء من أن تكوّنها ، فقد
يجب ضرورة إذا كانت مكوّنة للأشياء أن يكون هنالك فاعل هو الذى صيّرها
بالتعديل والتغيّر صالحة لأنْ تكون شيئا من الأشياء .

[Page 131] [55] فمن نسب التكوين إلى النار وغيرها من العناصر فهو أشبه شىء بمن
نسب النشر إلى المنشار دون الصانع والخزانة إلى القدوم بل لم يشعر هؤلاء ان
تحريك النار أخسّ من تحريك الآلة . وذلك أنّ الآلة لا تحرّك دون الصانع وإذا
حرّكت مع الصانع حرّكت إلى الكون ، وأمّا النار فإذا لم تحرّك بالمحرّك الأوّل
حرّكت إلى الفساد .
‏قال : فأمّا نحن فقد لخّصنا فيما سلف السبب العامّ الهيولاني ولخّصنا
أيضا الصورة ونحن نلخّص السبب الثالث للكون والفساد وهو الفاعل . فنقول
إنّه لمّا كان قد تبيّن أنّ حركة النقلة أزلية دائمة متّصلة ، فقد يجب لذلك أن
يكون الكون متّصلا دائما ، وذلك أنّ النقلة تفعل الكون بأن تدنى الكائن من
المكوِّن والمكوِّن من الكائن . وذلك أيضا واجب لها من طريق أنّها أقدم
التغيّرات على ما تبيّن قَبْلُ . وذلك ظاهر أيضا من قِبَل أنّ المتحرّك بهذه
الحركة موجود والمتكوّن قَبْلَ تكوّنه غير موجود ، والموجود أحرى وأوْلى بأن
يكون سببا لغير الموجود فى وجوده من أن يكون غير الموجود سببا للموجود أو
أن يكون الموجود لا دائما سببا للموجود دائما . فمن هاهنا يظهر أنّ النقلة أقدم
الحركات ، التقدّم الذى بالطبع .

[Page 132] [56] ‏لكن لمّا كنّا قد بيَّنّا فيما سلف أنّه يلحق الأمور دائما الكون والفساد ،
وأنّ كون الكائن هو ضرورة فساد للمتكوّن منه ، فمتى قلنا إنّ سبب التكوّن
هو النقلة ، فمن البيّن أنّه ليس يمكن أن تكون النقلة وهي واحدة تفعل هذين
الفعلين المتضادّين أعنى الفساد والكون . وذلك أنّ الشىء الواحد بعينه
الواحد بحاله فإنّما شأنه أبداً أن يفعل شينا واحدا بعينه لا شيئين متضادّين .
فيجب أيضا على هذا إنْ قلنا إنّ النقلة لها فعل فى ذلك أن يكون يفعل
أحدهما إما كونا دائما وإما فسادا دائما ، أو نقول إنّ هاهنا نقلتين متضادّتين
وحركتين متغايرتين تفعل إحداهما الكون والأخرى الفساد ، أو نقول إنّ هاهنا
نقلة واحدة ولكن توجد في الأشياء المتغيّرة بأحوال متضادّة حتّى يكون إذا
قربت من المتغيّر فعلت فعلا ما وإذا بعدت منه فعلت ضدّه . لكن لمّا كان ليس
يمكن أن يضادّ نقلة نقلة حتّى تكون نقلة ما هي بذاتها فاعلة الفساد كما
يعتقد المنجّمون ونقلة هي بذاتها فاعلة الكون على ما تبيّن فى الأولى من
السماء والعالم ، فمن البيّن أنّه يجب إنْ كان هاهنا كون وفساد دائمين أن
يكون هاهنا نقلة توجد من الكائنات الفاسدات بحالتين متضادّتين.

[Page 133] وإذا كان ذلك كذلك فبيّن أنّ هذه النقلة ليست هي النقلة الأولى وأنّ النقلة
التى بهذه الصفة هي النقلة التى تكون للشمس فى الفلك المائل . فإنّ هذا
الفلك كما يقول أرسطو قد جمع إلى اتّصال الحركة ودوامها أنّ فيه حركتين
حركة قرب وحركة بعد . وذلك أنّه واجب إنْ كان الكون والفساد دائمين
متّصلين أن يكون هاهنا شىء يتحرّك دائما كيلا يخلّ الكون والفساد وأن
يكون مع هذا له حركتان مختلفتان لئلا يكون الذى يلزم عنه فعل واحد .
فسبب الدوام فى الوجود الدائم هاهنا الغير متغيّر هي النقلة الأولى ، إذ كانت
هذه النقلة هي من الموجودات بحال واحدة . وسبب الكون والفساد ودوامها هو
المتحرّك فى هذا الفلك ، إذ كان ليس من الوجودات بحال واحدة كما قيل ، بل
مرّة يقرب من الشىء ومرّة يبعد . وإذا اختلف البعد والقرب اختلف تحريكه
للشىء الذى يقرب منه مرّة ويبعد أخرى . فإنْ كان ذلك الشىء بعينه إذا دنا
وقرب كوّن وأنشأ ، فإنّ ذلك الشىء بعينه إذا بعد ونأى أهرم وأفسد . فإنْ
كان بدنوه مرّة بعد مرّة كوّن وأنشأ ، فواجب أن يكون ببعده مرّة بعد مرّة يهرم
و يفسد . وذلك أنّ أسباب الأضداد أضداد .

[Page 134] [57] ‏ولذلك ما نقول إنّه واجب أن يكون عدد الدورات التي يتكوّن فيها موجود
موجود ويتمّم نشأه مساويا لعدد الدورات التى فيها يكون هرمه وفساده ، هذا
إذا كان الكون على الجرى الطبيعي . وإذا كان زمان الشباب مساويا لزمان
الهرم فى موجود موجود وكان هذان الزمانان محدودين بهذه الأدوار التى
للفلك المائل ، فلكلّ موجود كما يقول أرسطو عمر محدود من قبل المتحرّك
دورا وأجل معدود فبعضها يحيط بعمره أدوار قليلة وبعضها أدوار كثيرة
وبعضها دورة واحدة وبعضها أقلّ من دورة وبعضها أكثر . وهذا الذى يقول
أرسطو فى فلك الشمس ينبغى أن تفهمه فى سائر أفلاك الكواكب المائلة .
[58] ‏قال وقد نجد الحسّ موافقا لِما أدّى إليه البرهان . وذلك أنّا نرى الشمس
إذا قربت منّا فى فلكها المائل فعلت الكون فى أكثر الموجودات ، واذا بعدت
فعلت الفساد فى أكثر الموجودات . وينبغى أن تعلم أنّه ربّما كان الأمر بالعكس
فى الأقلّ مثل وجود النبات الشتوي . وإنّما يعرض كما قلنا أن يكون زمان
التكوّن والنش ء مساويا لزمان الهرم والفساد فى الكون والفساد الطبيعي وهو
الأكثر ، وأمّا الفساد الغير طبيعي فقد يعرض كثيرا فى زمان أقلّ من زمان
النشء

[Page 135] وذلك إمّا من قبل طبيعة المزاج التابع لطبيعة الهيولى ،فإنّ الأمزجة الموجودة
فى أشخاص النوع الوحد لمّا كانت تختلف بالأقلّ والأكثر ولم تكن واحدة ،
وجب ضرورة أن تختلف أزمنة الكون والفساد فى أشخاص النوع الواحد حتّى
يكون بعضها أطول وبعضها أقصر فيكون فساد ما يفسد من ذلك فى غير
الوقت ، إذ كلّ فساد فهو كون لشىء آخر ، وكلّ كون فهو فساد لشىء آخر ،
وإمّا من قبل اختلاف أحوال السبب الفاعل القريب ، وإما بسبب اختلاف
الفاعل الأقصى مثل اختلاف فعل الشمس لمكان ما يجتمع معها من الكواكب
وتفترق ، وإما بسبب اختتاف الفاعل الأقرب مثل مخالفة طبيعة الأب لطبيعة
الشمس فى وقت التوليد ومخالفة الشهوة فى استعمل الأغذية للمزاج . ويعمّ
هذه كلّها افتراق الأسباب وقلّة موافقة بعضها لبعض . هذا اللفظ يوجد فى
بعض النسخ عوض الامتزاج . وينبغى أن تعلم أنّه إذا وضعنا هذا الرأيّ الذى
قاله أرسطو من أنّ زمان النشء مساو لزمان الهرم ، ووضعنا أيضا ما يقوله
الأطبّاء من أنّ سنّ الشباب للأنسان إلى خمس وثلالثين سنة ، فالعمر الطبيعي
له هو سبعون سنة فما فوقه بيسير أو دونه بيسير . ولذلك قال صاحب الشرع
أعمار أمتى ما بين الستّين إلى السبعين .

[Page 136] [59] ‏قال : وما قلناه من أنّ التكوّن والفساد متّصلان أبدا لا يُخَلاّن ليس هو
واجبا من قبل السبب المادّي والفاعل كما تبيّن قبل ، بل نبيّن أنّه واجب أيضا
من قبل السبب الغائي. وذلك أنّه لمّا كنّا نرى أنّ الطبيعة أبدا إنّما تتحرّك
وتشتاق الأمر الأفضل بحسب ما يمكنها فى موجود موجود ، وأقصى ما فى
طباعه أن يقبله ذلك الوجود ، وكان الوجود أفضل من العدم ، وكان قد تبيّن
فى مواضع أخر على كم وجه يقال الموجود وأنّ منه ضروري وغير ضروري وأنّ
الضروري أفضل من غير الضروري ، والضروري بالشخص أفضل من غير
الضروري بالشخص وهو الضروري بالنوع ، وكان ليس يمكن وجود الموجود
الأفضل بإطلاق فى هذه الأشياء التى قربت منّا لكونها من المبدأ الأوّل فى
غاية البعد ، فإنّ الله ذا الجود والفضل يتمّ النقص الذى لحق هذه الأشياء
بالوجه الذى كان يبقى أن يتلافي به هذا النقص الحادث من قبله ، وهو أن
جعل التكوّن سرمدا . فإنّ هذا هو الوجه الذى به يمكن خاصّة أن يتّصل
الوجود لهذه الأشياء إذ كان اتّصال الكون من أقرب شىء إلى اتّصال الوجود
للأشياء الدائمة الوجود . وسبب هذا الاتّصال الذى تمّم الله سبحانه به هذا
النقص هو النقلة دورا . ولذلك صار الاتّصال لهذه الأشياء على جهة الدور
مثل ما نرى الهواء يتكوّن من الماء و الماء من الهواء دائما ودورا ، حتّى أنّ
النقلة على الاستقامة إنّما يوجد لها الدوام والاتّصال من جهة تشبّهها بالنقلة
دورا مثل صعود الهواء مرّة وهبوط الماء أخرى .

[Page 137] [60] قال : ومن هنا ينحلّ الشكّ الذى يعترى بعض الناس وهو لمّا لا تفترق ‏
هذه الأجسام البسيطة وتتميّز بعضها من بعض فى هذا الدهر الطويل حتّى لا
يكون لها اختلاط ولا امتزاج ، إذ كانت أضدادا وكان من شأن كلّ واحد أن
يلحق بموضعه الذى يخصّه . فإنّه ليس السبب فى نقلتها بعضها إلى أماكن
بعض واختلاط بعضها ببعض شيئا إلاّ النقلة . ولولا النقلة دورا لكان واجبا
‏أن تفترق فى هذا الدهر الطويل . لكنّها تنتقل بعضها إلى بعض من قبل
النقلة التى هي مضاعفة أىْ مثنّاة ومختلفة مثل حركة الفلك المائل نفسه ،
والحركة الشرقية مع الغربية . فقد تبيّن من هذا القول ما الأسباب القصوى
لاتّصال الكون والفساد وأنّه واجب أن يكون عنها كون وفساد على الاتّصال .
[61] قال : ولمّا كنّا قد بيّنّا فى غير هذا الوضع أنّه إنْ كانت حركة فواجب أن
يكون محرّك ، فقد يجب إنْ كانت حركة دائمة أن يكون هاهنا محرّك دائم .
لكن قد تبيّن أنّ هاهنا حركة دائمة فواجب أن يكون هاهنا محرّك دائم . وواجب
أيضا إنْ كانت هذه الحركة متّصلة أن يكون هذا المحرّك غير متحرّك ولا بالجملة
متغيّر . وذلك أنّ الحركة المتّصلة هي المستوية التى لا تخلّ . وذلك يوجب
ضرورة أن يكون المحرّك والمتحرّك غير متغيّر أصلاً . وإنْ كانت هذه الحركات
الدائرة التى بهذه الصفة أكثر من حركة واحدة فواجب أن يكون المحرّك الذى
بهذه الصفة أكثر من محرّك واحد .

[Page 138] لكنّ الحركات التى بهذه الصفة أكثر من حركة واحدة ، فواجب أن يكون المحرّك
الذى بهذه الصفة أكثر من محرّك واحد لكن لمّا كنّا نجد هذه المتحرّكات كلّها
تتحرّك بجهة ما بحركة واحدة ، وهي الحركة اليومية ، فواجب أن تكون هذه
المحرّكات كلّها يشتمل عليها محرّك أوّل . قال : وإذا كان يظهر من طبيعة
الزمان أنّه متّصل دائم ، وكان قد تبيّن أنّه عدد الحركة ، فواجب أن يكون
هاهنا حركة متّصلة ، فالزمان إذًا هو عدد حركة متّصلة والمتّصلة هي الدائرة ،
فالزمان إذًا هو عدد حركة الدائرة . وهذا كلّه قد تبيّن فيما قد سلف . وإنّما ذكر
به هاهنا إذكارا.
[62] ‏قال : وقد ينبغى أن ننظر فى اتّصال الحركة هل ذلك من قبل أنّ المتحرّك
نفسه متّصل دائم أو من قبل أنّ الشىء الذى به يتحرّك أو فيه يتحرّك عرض
لها الاتّصال و أعنى بالشىء الذى فيه يتحرّك المكان و بالشيء الذى به يتحرّك
الحال وهو بيّن أنّ الاتّصال إنّما يوجد أوّلا للعظم . ولمّا كان المتحرّك أوّلاً هو ذا
عظم ، وجب أن يكون الاتّصال إنّما هو من قِبَل المتحرّك . فإنّ الحال إنّما توصف
بالاتّصال من قِبَل أنّها فى متّصل و قد يجوز أن يوصف بالاتّصال من قِبَل
المكان فإنّ الكان أيضا عظم و العظم المتّصل الأوّل الذى لا يمكن فيه زيادة ولا
نقصان إنّما هو المستدير وحده . وإذا كان ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الذى
يفعل الحركة الواحدة المتّصلة الجسم الذى ينتقل دورا وأن تكون هذه الحركة هي
التى تفعل الزمان .

[Page 139]

الفصل الثانى

[63] ‏قال : ولمّا كنّا نجد التغيّر فى الأشيا ء التى تتغيّر بالكون آو بالاستحالة
أو بأيّ ضرب كان من ضروب التغيّر متشافعا آو متتابعا من غير أن يخلّ ،
بل يُحدث شيئا بعد شىء ، فقد ينبغى أن ننظر فى الجهة التى منها يصحّ
الدوام للكائنات . ومبدأ النظر فى ذلك أن نفحص هل هاهنا شىء يتكوّن من
الضرورة أم ليس هاهنا شىء يتكوّن من الضرورة لكنّ كلّ شىء يمكن أن يكون
ويمكن ألاّ يكون .
[64] ‏فنقول إنّه من البيّن بنفسه أنّ بعض الأشياء يمكن فيها أن تتكوّن وأن لا
تتكوّن فإنّه إنّما صار قولنا فى الشىء ممكن أن يكون غير قولنا فيه أنّه كائن
وموجود من جهة أنّ الممكن الوجود غير الضروري الوجود . وذلك أنّ ما كان
كونه فى المستقبل واجبا فسيصدق عليه القول بإنّه موجود في وقت من
الأوقات ضرورة مثل وجود الاعتدال بين الانقلابين . وأمّا ما ليس يصدق فيه
القول إنّه موجود إلاّ في الزمان الحاضر فليس هر مستحيلا ألاّ يوجد ، مثال
ذلك أنّه إنْ كان المشي ممكنا لزيد فقد لا يمشى.
[65] ‏وإذا تبيّن أنّ بعض الموجودات ليس يجب كونها ، فهل هي كلّها هكذا أم
فيها ما يجب كونه ضرورة؟

[Page 140] [66] ‏فنقول إنّه كما أنّ فى الأشياء الموجودة أشياء لا يمكن أن تعدم وألاّ توجد
مثل الأمور الضرورية الوجود ، وأشياء موجودة يمكن ألاّ توجد وأن تعدم ،
كذلك الأمر فى الأشياء الكائنة . منها ما يمكن ألاّ يكون ومنها ما هو واجب
أن يكون مثل حلول الشمس فى نقطتى الانقلابين ونقطتى الاعتدالين ، فإنّه
واجب أن يحدث ولا يمكن له أن لا يحدث.
[67] وإذا تقرّر هذا فعلى أيّ جهة ليت شعرى يمكن وجود التتابع الضروري
والتتالى فى المادّة الممكنة ؟ فإنّه لا يخلو أن توجد تلك للأشياء من قبل أنّها
متناهية ذوات أوائل وأواخر أو من قبل أنّها غير متناهية. وغير المتناهية
صنفان إما غير متناهية من جهة الدور وإما غير متناهية من جهة الاستقامة .
فأمّا المتناهية فيظهر أنّ كون المتقدّم فيها واجب ضرورة متى وجد المتأخّر .
ومثال ذلك أنّ كون الأساس واجب إذا وجد البيت وكون الحجارة والطين متى
كان الأساس. فلو كانت هذه متى وجد المتقدّم فيها لزم وجود المتأخّر أعنى لو
كان يلزم متى وجد الأساس أن يوجد البيت لقد كان يجب أن يكون التتابع
والتشافع لكون هذه ضرورة متّصلا . لكن معلوم أنّه لا يجب أن يكون الأساس
إلاّ متى وجد البيت ولو أفرضنا كون البيت ضروريا لكان يجب ضرورة متى
وجد الأساس أن يوجد البيت لأنّه قد وضع لزوم وجود الأساس عن البيت .

[Page 141] فمتى كأن وجود البيت الأخير ضرورة كان وجود المتقدّم ضروريا ، غير أنّه
معلوم أنّه ليس يوجد المتأخّر هاهنا ضرورة ، اذ كان قد يمكن أن يوجد وألاّ
يوجد، وإنّما يوجد ضرورة إنْ يوجد من جهة فرضنا ذلك ووضعنا إياه لا من جهة
الأمر فى نفسه . فلو كان وجود البيت الذى هو الأخير ضروريا للزم أن يكون
موجودا دائما ، وقد يمكن ألاّ يكون موجودا ، وذلك أنّ الحال فى الوجود هي
الحال فى التكوّن بعينه ، واللازم فيهما واحد .
[68] ‏وإذا كان لا يمكن باضطرار اتّصال فى الكون في الأشيا ء التى لها
أوائل و أواخر ، فمن ذلك يظهر أيضا أنّه لا يمكن ذلك فى الأشيا ء التي تمرّ على
الاستقامة إلى غير نهاية في الطرفين . وذلك أنّ هذه الأشيا ء ليس لها أوّل
يجب من قبله أن يكون لها أخير ولا لها أخير يجب من قبله أن يكون لها أوّل
فاللزوم فيها أعدم فيها من المتناهية. وإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلاّ أن
تكون ضرورة الكون لها على جهة الدور . وذلك واجب من قبل أنّ التكوين
الدائم هو ضروري والضروري أزلي ، والأزلي متحرّك دورا . وذلك أنّ الكون
الأزلي قد وجب أن يكون له مبدأ ، وإذا كان له مبدأ فلا بدّ أن يكون وجوده
من جهة ما له مبدأ إمّا على جهة الاستقامة وإمّا على جهة الدور . لكن
وجوده على جهة الاستقامة يوجب أحد أمرين إمّا أن لا يكون أزلي وإمّا أن لا
يكون له مبدأ . وذلك أنّ المستقيم إذا كان له مبدأ وأخير كان ضرورة متناهيا
وغير دائم ، ومتى فرضناه غير متناه من الطرفين لم يكن له مبدأ .

[Page 142] وذلك أنّ الأشياء التى لا نهاية لها ليس لها أوّل ولا أخير ولذلك يجب ضرورة
إذا وضعنا أنّه أزلي وأنّه ذو مبدأ أن يكون يجرى دورا وأن يكون الأمر فى
الأشياء المتكوّنة على طريق الدور متى وجد الأوّل وجد الأخير ومتى وجد
الأخير وجد الأوّل لأنّه لا فرق بين أن يكون هذا التلازم بين اثنين أو أكثر من
ذلك فالضروري الدائم إنّما هو فى الحركة دورا والتكوين دورا . فإنّ كل شىء
من الأشيا ء التى تجرى دورا فالمتقدّم منها والمتأخّر وما قد كان وما يكون
واجب ضرورة . وعكس هذا أيضا صادق وهو أنّ ما كان المتقدّم منها والمتأخّر
ضروريا الوجود فهو يتحرّك دورا . وينبغي أن تعلم أنّ هذا القول يجرى مجرى
التتميم لمّا تبيّن فى أوّل الثامنة من السماع من أنّ الحركة شافعة ومتشافعة لا
تخلّ فى وقت من الأوقات وأنّ هذا إذا أضيف إلى ذلك ظهر منه وجود حركة
أزلية ضرورة .
[69] ‏قال : ولمّا كان قد تبيّن فى غير هذا الموضع وبغير هذا الوجه أنّ الحركة
الدائرة الأزلية هي حركة السماء ، فمن البيّن أنّ هذه الحركات التي للأمور
الكائنة الفاسدة على هذه الجهة هي من قِبَلها وعنها . وذلك أنّه إذا كان المحرّك
دورا يحرّك دائما ، فواجب أن تكون حركة الأشيا ء المتغيّرة يجرى دورا . ومثال
ذلك أنّه لمّا كانت الحركة العلوية الأولى موجودة دورا ، كانت الشمس تتحرّك
دورا في فلكها المائل ، ولمّا كانت حركة الشمس فى هذا الفلك دورا صارت
أوقات السنة الأربعة تجرى دورا . ولمّا كانت هذه الأوقات تجرى على هذا صار
ما يحدث عنها يجرى أيضا على نحو ما يجرى ، أعنى دورا .

[Page 143] [70] ‏وقد يعرض فى هذا شكّ ما وهو أنّه إذا كان التكوّن العارض من قبل هذه
دورا فما بال بعض الأشياء يوجد كذلك أعنى أنّه إذا وجد المتأخّر وجد المتقدّم
وإذا وجد المتقدّم وجد المتأخّر . مثال ذلك أنّه إذا كان غيم فمطر وإذا كان مطر
فغيم . ولسنا نجد الناس ولا ألحيوانات يتكرّرون دورا بأعيانهم حتّى يعود
الشخص منهم بعينه نفسه ولا يلزم عن وجود المتقدّم وجود المتأخّر، فإنّه ليس
واجبا إنْ كان أبوك موجودا أن توجد عنه بل إنْ كُنتَ أنت فواجب أن يكون أبوك .
لكن ليس يمرّ الأمر فى هذا إلى غير نهاية بالذات وإلاّ لم توجد أنت إلاّ بعد
وجود أشخاص لا نهاية لهم . وإذا كان هذا هكذا ، فلا المتقدّم البعيد يلزم عن
وجود المتأخّر إلاّ بالعرض ولا المتأخّر يلزم عن وجود المتقدّم أصلاً. وإنّما يشبه
أن يكون عرض هذا لهذه الأشياء لأنّ التكوّن فيها جار على استقامة . ومبدأ
النظر فى هذا الفحص هل هاهنا شىء يعود دورا على مثال واحد أم بعضها
يعود دورا بالشخص وبعضها يعود دورا بالنوع . فإنّ الذى تبيّن أنّه واجب فيه
فى هذه الأشياء أن يعود دورا إنّما هو الواحد بالنوع لا الواحد بالشخص .

[Page 144] فنقول إنّ كلّ ما كان من أشخاص الجوهر متحركا إلاّ أنّه غير ممكن فيه أن
يفسد فإنّه يعود بالشخص . وذلك أنّ الحركة إنّما هي موجودة فى المتحرّك مثل
الشمس والقمر ، وأمّا ما كان من أشخاص الجوهر قابلا للفساد فلا يمكن فيه
أن يعود بالشخص وإنّما يمكن فيه أن يعود بالنوع ، مثل تكوّن الهواء عن الماء
والماء عن الهواء لا أنّ شخص ذلك الماء الفاسد بعينه يعود دورا . ولو قدّرنا
المادة واحدة والفاعل واحدا فإنّه من المعلومات الأول أنّ الصانع الواحد بعينه
إذا صنع من مادّة ما لبنة ثمّ أفسدها وصنع أخرى أنّها غير تلك اللبنة الأولى
بالشخص لأنّها غيرها بالصورة وإنْ كانت المادّة واحدة والغاعل واحد وذلك
منها وأنّهما اثنين بالعدد واحد بالنوع . فإنّه ليس الأشياء التى هي واحدة
بالأسباب هي واحدة بالعدد والشخص .
وهنا انقضى هذا التلخيص والحمد لله على ذلك كثيرا
وكان الفراغ منه يوم الخميس عقب شهر
جمادى الأخر الذى من سنة
سبعة وستّين وخمسمائة
للهجرة .